|
تحليل اخباري
أحمد سليمان
بي بي سي لندن
|
لم تعرف روسيا في تاريخها قيادة مزدوجة
|
اليوم ومع تولي ديمتري مدفيديف مقاليد الرئاسة الروسية، تدخل روسيا مرحلة جديدة تتميز بثنائية القيادة: مدفيديف- بوتين بعد ان ظل الاخير مهيمنا على الساحة السياسية خلال السنوات الثماني الماضية على مدى ولايتين رئاستين.
ومع اقتراب هذه اللحظة الحاسمة تسارعت التكهنات والتحليلات السياسية في محاولة للاجابة على سؤال معقد، أيهما سيكون صاحب الكلمة العليا في ادارة شؤون البلاد؟ الرئيس ام رئيس الوزراء.
فمن المعروف ان مدفيديف سيكلف بوتين في اليوم التالي لتنصيبه بتولي مسؤولية رئاسة الوزراء.
فعلى مدى الشهور الماضية ومنذ اللحظة التي خرجت فيها صفقة تقاسم السطلة بين الرجلين في ديسمبر/ كانون الاول الماضي الى العلن، تراكمت الشواهد على ان بوتين، رجل روسيا القوى، يعمل على الاستحواذ على مصادر القوة تنفيذية كانت ام تشريعية مما يجعل من موقعه معادلا لموقع الرئيس.
والسؤال الذي حار المحللون في الاجابة عليه لا ينبع فقط من ماضي العلاقة التي جمعت الرجلين والتي تمتد على مدى عقدين من الزمان والتي لعب فيها بوتين دائما دور الرئيس والراعي، والذي بلغ ذروته بترشيحه مدفيديف لخلافته على مقعد الرئاسة.
فهل ينقلب الحال بين يوم وليلة ليصبح الرئيس مرؤوسا والمرؤوس رئيسا؟
هذه هي احدى علامات التعجب التي ينطوي عليها الواقع السياسي الجديد في روسيا؛
لكن اذا نحينا جانبا هذا الجانب المعنوي، تبدت امامنا وقائع مادية شاهدة على اعادة صياغة معادلة الحكم في روسيا.
" معا سننج" هكذا اكد مدفيديف استمرار دور بويتن خلال حملته الانتخابية
|
فمنذ ان اعلن بوتين عزمه الخروج من الرئاسة وانهالت عليه عروض الاعمال على الطريقة الروسية حيث تلقف اولا منصب رئيس الوزراء واعلن قبوله له، ثم قبل بعذ ذلك منصب رئيس حزب روسيا الموحدة، ليجمع في سلة واحدة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ومن خلال موقعه الحزبي سيسطر بوتين على البرلمان الروسي الذي يستطيع ان يقوم بعزل الرئيس وتغيير الدستور.
واذا اضفنا الى هذا علاقات بوتين المتشابكة باجهزة الامن والمخابرات وسيطرة انصاره على المواقع الحساسة هنا وهناك لاستطعنا ان نتصور مدى القوة التي سيتمتع بها بوتين.
ولم يكتف بوتين بذلك بل عمل على توسيع صلاحيات جهاز الحكومة خصما من صلاحيات مؤسسة الرئاسة، على سبيل المثال فقد اصدر قرارا في 28 ابريل/ نيسان يأمر بموجبه حكام الاقاليم بتقديم تقاريرهم السنوية الى الحكومة، فيما كانت سابقا تقدم الى الكرملين.
وقد وصف مركز روسيا للدراسات السياسية المعاصرة هذا التطورات بأنها "عملية توزيع ناعمة للقوة بين الرئيس ورئيس الوزراء".
واضاف المركز " للمرة الاولى في تاريخ روسيا، ما بعد الاتحاد السوفيتي، يتحول منصب رئيس الوزراء من منصب فني الى مركز حقيقي لصنع القرار".
وربما عكست تصريحات الرئيس المنتخب مدفيديف، دون ان يدري او لعله يدري ، هذا الوضع القلق حيث تعهد في مطلع مارس/ اذار بالسيرعلى نهج بوتين لكنه اكد في الوقت نفسه على استقلاله كرئيس.
سيناريوهات ثلاثة
ينحصر مستقبل العلاقة بين الرجلين وانعاكساتها على السياسة الروسية في ثلاثة سيناريوهات تنبأ بها المراقبون للشأن الروسي
اول هذه السيناريوهات هي التي يقود بوتين فيها العجلة الروسية من المقعد الخلفي، ليتصدر مدفيديف الواجه كرئيس رمزي دون فعالية حقيقية في ادارة دفة الامور..
الا ان معظم المؤشرات تستبعد هذا الاحتمال فمنصب الرئاسة يحوز في الدستور الروسي على قوة لا تعادلها اي قوة اخرى وتاريخ السلطة في روسيا مرتبط بالكرملين، اضافة الى ان مدفيديف شاب لامع يتمتع بالكفاءة والمهارة.
وطبقا للدستور يستطيع الرئيس ان يقيل الحكومة في اي وقت يشاء.
وبمضي الوقت سيكون للرئيس رجاله وسيعمل على اخراج افكاره للوجود.
ومدفيديف تخرج عام 1990 من كلية الحقوق بجامعة سان بطرسبيرج ويحمل درجة الدكتوراة في القانون المدني وشغل عدة مواقع كان ابرزها عمله كنائب اول لرئيس الوزراء قبل ان ينتخب رئيسا للبلاد.
السيناريو الثاني هو ان تمضي علاقة الرجلين في تناغمأ استنادا الى الصداقة التي جمعت بينهما على مدى عقدين من الزمان مارسا فيها العمل المشترك في اكثر من موقع، وان بوتين لم يكن ليختار مدفيديف لخلافته ما لم يكن واثقا من امكانية العمل المشترك معه.
وقد اكد الرجلان في اكثر من مناسبة على انها في توافق تام فيما يتعلق بادارة شؤون البلاد.
وفي ظل هذا التصور، ستختص الرئاسة برسم السياسة الخارجية للبلاد.
وفي رسمه للحدود بين صلاحيات الرئاسة والحكومة قال بوتين ان " الرئيس هو الضامن للدستور وهو من يضع الخطوط الارشادية للسياسة الخارجية والداخلية"
واضاف " لكن السلطة الاعلى في البلاد تكمن في يد الحكومة" والتي من واجباتها ليس فقط الاشراف على الاقتصاد والسياسة الاجتماعية لكن " تهيئة الاوضاع لضمان الدفاع والامن".
الا ان المشككين في هذا التصور يقولون ان النظام السياسي الروسي لم يعرف في تاريخه حكما " برأسين" ويؤكدون ان وضعا كهذا حتما سيقود الى الصدام، وهو ما يقودنا الى السيناريو الثالث.
من يرجحون هذا السيناريو يرون فيما يقوم به بوتين من تعزيز سلطات رئيس الوزراء بمثابة انقلاب على روح الدستور دون المساس بنصه، وان ثنائية القيادة ستفضي حتما الى تنازع على السلطات او بتعبير آخر صراع على السلطة.
ويقول اندري ريابوف من معهد الاقتصاد العالمي في العلاقات الدولية في اكاديمية العلوم ان "المستقبل يلفه غموض كبير" معتبرا ان "المشككين يقولون ان نظام السلطة برأسين لا جذور له في المجتمع والتقاليد الروسية وانه لن يكون ناجعا" متوقعا قيام "صراع بين مجموعات مصالح".
ومن الصعوبة الجزم بالسيناريو الذي ستتخده الامور في روسيا، لان الامر يتعلق بمستقبل العلاقة بين الرجلين، والى المدى الذي سيذهب اليه مدفيديف في تفعيل صلاحياته الرئاسية.
ويظل لبوتين فضل التمسك بالخيار الديمقراطي في تداول السلطة، وان كانت ديمقراطية على الطريقة الروسية، ورفضه الدعوات بتعديل الدستور كي يسمح له تولي الرئاسة لفترة ثالثة، مما يعزز التجربة الديمقراطية الوليدة في روسيا الاتحادية.