|
احمد مصطفى
بي بي سي - لندن
|
الرئيسان الفنزويلي هوغو تشافيز والبوليفي موراليس
|
تشير نتائج الانتخابات الرئاسية في عدد من دول امريكا اللاتينية الى تنامي قوى اليسار والبعد عن اليمين والوسط في المشهد السياسي على تخوم الولايات المتحدة الامركية الجنوبية.
فحتى سنوات قليلة لم يكن في تلك المنطقة معارضا لامريكا سوى الرئيس الفنزويلي هيوغو شافيز الذي وصل الى السلطة عام 1998 على خلفية معارضته القوية للولايات المتحدة وسياساتها تجاه جاراتها الجنوبيات. وعزز الرئيس الفنزويلي علاقاته بخصم امريكا العجوز في كوبا، اليساري المخضرم فيدل كاسترو.
بل تجاوز شافيز حدود القارة متحديا الادارة الامريكية بزيارة عراق صدام حسين. وتبنى الرجل العديد من الشعارات الشعبوية باعادة سيطرة الدولة على القطاعات الاقتصادية، خصوصا الطاقة وهي خامس اكبر مصدر للنفط في العالم، ما اخرج بلاده منظومة التحرر الاقتصادي في القارة الجنوبية.
لكن ما يجري في امريكا اللاتينية يتجاوز مجرد قائد نشاز عن غالبية متزنة في علاقاتها مع الجارة الشمالية القوية.
وتعكس تلك التطورات اتجاها شعبيا عاما في غالبية دول امريكا الوسطى والجنوبية معاديا للولايات المتحدة الامريكية وسياساتها الخارجية وناقما على كل ما تبشر به في العالم ورافضا للعولمة باعتبارها حربا تقودها امريكا ضد الفقراء.
الزعيم الكوبي فيدل كاسترو ورئيس بوليفيا ايفو موراليس
|
وعلى خلفية تلك المواقف الشعبوية المعادية لامريكا والمطالبة بالارتداد عن اقتصاد السوق، الذي يصور في الخطاب السياسي اليساري على انه افاد حفنة قليلة من الاثرياء الجدد الموالين للشمال على حساب الملايين ممن يزدادون فقرا، فاز ايفو موراليس في انتخابات الرئاسة في بوليفيا وفازت اليسارية ميشيل باتشليت في تشيلي بموقع الرئاسة.
الا ان ما يثير الدهشة حقا هو ما حدث من قبل في البرازيل، التي كانت تعد نموذجا للعولمة ونتائج الاصلاح الاقتصادي الهيكلي، بفوز اليساري لويس ايناسيو لولا دا سيلفا الذي يقترب اكثر فاكثر من هيوغو شافيز في فنزويلا.
والى جانب كوبا وفنزويلا، اصبحت البرازيل واوراغوي وبوليفيا وتشيلي تشكل حزاما يساريا يقوده زعماء شعبويون يستمدون شرعيتهم من مناهضة الولايات المتحدة الامريكية. والاكثر اثارة ان تلك الدول، رغم ثرواتها الطبيعية، ليست قوية اقتصاديا وتعتمد على حد كبير على المساعدات الامريكية سواء المباشرة لدعم اصلاحاتها الاقتصادية الهيكلية في التحول لاقتصاد السوق، او عبرنفوذ واشنطن في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في اقراضهما لاقتصادات تلك الدول.
الا ان بلدا كالارجنتين، الذي اعلن صندوق النقد الدولي قبل سنوات قليلة عدم قدرته على سداد ديونه، صفى علاقته بالصندوق عبر شراء تلك الدول اليسارية لسندات خزينته بالمليارات. واصبح الرئيس الارجنتيني نيستور كريشنر اقرب لليسار منه للوسط ويقترب اكثر فاكثر من نهج الرئيس شافيز.
ومع انهيار المعسكر الاشتراكي في شرق اوروبا وتحول الصين وفيتنام الى اقتصاد السوق وابتعادها عن اليسار الى حد كبير، لا يمكن تفسير ما يجري في امريكا اللاتينية على انه امتداد لحرب باردة، بعدما اصبحت الولايات المتحدة القوة القطبية الوحيدة في العالم. لكنه تيار احتجاج يتبنى افكارا قريبة من الجماهير ويستمد قوته من محاربة الفساد ولو بطريقة المساواة في الفقر ويرفع شعارات وطنية تذكر بفترة الخمسينات والستينات ايام مرحلة التحرر الوطني والاستقلال.
رئيسة تشيلي الجديدة ميشيل باشيليت
|
وبمعنى اخر يمكن القول انه يسار يتجاوز بقليل توجه "اوروبا القديمة" ـ على حد تعبير وزير الدفاع الامريكي دونالد رمسفيلد ـ الوسطي غير المتطابق مع التوجه الامريكي دون شقاق.
واذا كانت واشنطن تدير علاقتها باوروبا القديمة بالمصالح الاقتصادية، فانها تتعامل مع حكم اليساريين الجدد في امريكا اللاتينية بطريقة مماثلة تقريبا.
فقد اصدرت المصارف الاستثمارية الامريكية تحذيرات لرجال الاعمال بان مصالحهم واستثماراتهم في تلك الدول معرضة للخطر. الا ان تلك المحاولات لم تجد نفعا امام التيار الشعبوي الجارف في تلك الدول.
وتنتظر واشنطن المزيد من امريكا اللاتينية يسارا في انتخابات الرئاسة في بيرو في ابريل المقبل. اذ تشير استطلاعات الراي الى تقدم اولانتا اومالا باعتباره اكثر المرشحين حظا في الانتخابات الرئاسية البيروفية. واومالا جنرال سابق، مثل شافيز، قاد انقلابا في بيرو عام 2000 لم يمكث كثيرا. ويحظى اومالا بدعم شافيز وموراليس، بل انه يرفع شعارات تكاد تماثل شعاراتهما في معاداته لواشنطن.
وستكون قمة بروز التيار المناهض لامريكا في المكسيك في انتخابات الرئاسة في يوليو اذا فاز مانويل لوبيز اوبرادور، عمدة العاصمة مكسيكو سيتي، الذي يتقدم في استطلاعات الراي على خلفية معارضته اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة ومطالبته بسيطرة بلاده على مقدراتها.
ومع ان العلاقات بين واشنطن وعمقها الاستراتيجي جنوبا معقدة، من اقتصاد وهجرة ومخدرات وغيره، فلا يمكن استبعاد تبعات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ليس فقط مع دول امريكا اللاتينية ولكن في العالم اجمع.
والواقع ان ملاحظة عقد منتدى الفقراء والمعارضين للعولمة ـ ردا على لقاء المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري مطلع كل عام ـ في مدينة بورتو اليغري البرازيلية منذ سنوات انما تشير الى ان تلك المنطقة اصبحت يسار العالم في وقت خبت فيه قوى اليسار في اوروبا وافريقيا واسيا الى حد كبير.