تعرض النموذج الهولندي لمجتمع ناجح ومتسامح ومتعدد الثقافات إلى ضربة انعكست في نشر تقرير برلماني قال إن هذا المجتمع يزداد استقطابا، حيث تتضخم الجيوب العرقية والثقافات المنغلقة التي تمزق النسيج الاجتماعي في هذا البلد.
تلك المسألة ظلت ساخنة منذ سنوات دون أن تصل إلى درجة الغليان، غير أنها تصدرت عناوين الأخبار قبل عامين حينما دعا السياسي المتشدد بيم فورتان، الذي اغتيل لاحقا، إلى وضع نهاية للهجرة، فقد قال إن الهجرة، خاصة من البلدان الإسلامية، تضعف القيم الليبرالية الهولندية.
والآن وصل التقرير البرلماني الذي شاركت فيه الأحزاب المختلفة إلى خلاصة مماثلة، فقد قال إن محاولة خلق مجتمع متعدد الأعراق ومتماسك في الوقت ذاته قد فشلت.
زيادة أعداد المسلمين تثير قلقا في بعض البلدان
|
فقد قال التقرير إنه بينما تم استيعاب أغلب المهاجرين بشكل جيد، فقد ظهرت أيضا جيوب منغلقة (جيتو) من الأجانب من بلدان مثل تركيا والمغرب. وأشار إلى أن "الأجانب" المولودين في هولندا أيضا يميلون إلى الزواج من بني جنسهم ويتجهون إلى أوطان آبائهم للعثور على زوج أو زوجة.
وانتقد التقرير الحكومات الهولندية المتعاقبة لما كان ينظر إليه من قبل على أنه سياسة إيجابية تهدف إلى تسهيل أوضاع المهاجرين، والتي تمثلت في السماح لهم بالدراسة بلغاتهم الأصلية في المدارس الابتدائية، وأشار التقرير إلى أن هذا لم يكن من شأنه إلا مواصلة اغترابهم داخل المجتمع والحيلولة دون اندماجهم في المجتمع الهولندي بشكل صحيح.
وفيما يعكس تحولا عن سياسة استمرت ثلاثين عاما، أوصى التقرير بضرورة أن يصبح مسلمو البلاد من الآن فصاعدا هولنديين بشكل فعال.
امتحان في الهولندية
وقد سبقت مدينة روتردام، التي يكاد يكون نصف سكانها من أصول غير هولندية، وحيث حصل فورتان على أكبر تأييد، التقرير بالقيام بإجراءات تحول دون تدفق المزيد من المهاجرين، ففي نهاية العام الماضي سعت المدينة لإبقاء المهاجرين الفقراء خارجها بأن نصت على ضرورة أن يتقاضى القادمون الجدد ما يزيد عن الحد الأدنى من الدخول بمقدار 20%، فضلا عن ضرورة إتقان المتقدمين لطلب تصريح إقامة للغة الهولندية.
كما أغلقت المدينة الطريق أمام قبول اللاجئين السياسيين للأعوام الأربعة المقبلة.
وفي الوقت الذي يتناول التقرير بشكل عام "المهاجرين" وتأثيرهم على المجتمع الهولندي، فمما لا شك فيه أن المهاجرين المسلمين هم الذين يُنظر إليه على أنهم يشكلون المشكلة الأكبر.
وتظهر هنا أوجه التشابه مع فرنسا، حيث تستهدف التحركات الراهنة لحظر "الرموز الدينية" في المدارس والأماكن العامة بالأساس الحجاب الذي ترتديه الكثير من المسلمات.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي في أنحاء أوروبا المختلفة زيادة التشكك العام من الإسلام في العامين الماضيين عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول في نيويورك وواشنطن.
كما أن الحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة على الإرهاب تستهدف بالأساس الجماعات الإسلامية، بما يشجع ولو بغير قصد مفهوما عاما بأن المسلمين "لا يتوافقون" مع المجتمعات الغربية.
وفي هولندا وغيرها ثمة حديث عن محاولة خلق "شكل أوروبي من الإسلام"، في صورة صيغة علمانية يتم بمقتضاها التسامح مع العقائد الدينية الشخصية ولكن لا يتم التسامح مع أي أشكال عامة للإسلام تقوض القوانين والأعراف الأوروبية.
الاندماج
ويثور في أوروبا في الوقت الحالي جدل ومناقشات حول ما إذا كان الاندماج أو الاستيعاب من ناحية أم التعددية الثقافية من ناحية أخرى هي السبيل المرغوب.
ويبدو أن هولندا بدأت تنفض يديها من خيار التعددية الثقافية، الذي ينطوي على تشجيع المهاجرين على الحفاظ على لغاتهم وثقافاتهم رغم ما ينطوي عليه ذلك من خطورة ظهور جيتوهات، في الوقت الذي ربما تتحرك نحو سياسة الاندماج، والتي تشجع فقد القادمين الجدد لملامح هويتهم الأصلية بحيث لا يمكن التفريق بينهم وبين البلد المضيف إلا من خلال لون البشرة.
وبين هذا وذاك يقع خيار الاستيعاب، الذي يجري ببعض النجاح في بريطانيا، حيث يحتفظ المهاجرون بثقافاتهم المميزة في الوقت الذي يجري تشجيعهم على أن يصبحوا جزءا من المجتمع الأعم.
وفي الوقت الذي تدرس فيه الآن بلجيكا أيضا فرض حظر على الحجاب، يبدو أن الاتجاه يتزايد نحو الاندماج، وهي العملية التي أثارت بالفعل عاصفة بين المجتمعات الإسلامية في أوروبا وخارجها، وقد تنطوي على مشكلات بحجم المشكلات التي تفرضها سياسة التعددية الثقافية المعاكسة لها.
ويقول تريفور فيليبس، رئيس اللجنة البريطانية للمساواة العرقية إن العدو الحقيقي للاستيعاب هو عدم المساواة، ويضيف "كلما زدنا من عدم المساواة بين البشر، كلما زادت نزعتهم للقول إن هذا المجتمع لا يريدنا ويتحيز ضدنا، وبالتالي يسقطون في أيدي المتطرفين".