أفردت الصحف البريطانية الصادرة صباح الجمعة تقريبا كل صفحاتها في أقسام الخبر والتحليل والرأي للتفجيرات التي ضربت لندن أمس، مع صور ورسوم توضيحية لما حدث وروايات من شهود العيان والناجين، وكما هو متوقع تصدرت صور التفجيرات الصفحات الأول. وفيما يتعلق بالشأن العربي نشرت الكثير منها خبر قتل السفير المصري في العراق في مساحات متواضعة.
ونبدأ باستعراض سريع لعناوين الصحف الرئيسية الخمس، قبل أن نعرض لبعض ما جاء في الافتتاحيات ومقالات الرأي والتحليل.
"الإرهاب يأتي إلى لندن"
صحيفة الجارديان اختارت صورة الحافلة الحمراء ذات الطابقين التي ضربها انفجار في ميدان تافستوك وحملت عنوانا يقول "يوم الإرهاب في لندن، 38 قتيلا على الأقل و700 جريح، وخلية تابعة للقاعدة تزعم مسؤوليتها عن الهجمات".
وتختار صحيفة الفاينانشيال تايمز ذات الصورة تحت عنوان يقول "بلير يلقي بالمسؤولية على إرهابيين إسلاميين بعد أن قتلت هجمات لندن 37 شخصا على الأقل".
وبعنوان "الإرهاب يأتي إلى لندن" تنشر الصفحة الأولى للاندبندنت صورة لرجل مصاب يساعده بعض المارة في الهبوط من الحافلة بعد أن دمر الانفجار سطحها العلوي تماما.
وتصدرت صورة رجل يعين سيدة أصيب وجهها بحروق من جراء احد الانفجارات الصفحة الأولى لصحيفة الديلي تلجراف تحت عنوان "القاعدة تأتي بالإرهاب إلى قلب لندن".
واتفقت أيضا صحيفة التايمز مع الديلي تلجراف في اختيار الصورة، إلا أنها اختلفت مع جميع الصحف في عدد القتلى الذين خلفتهم الهجمات، إذ تذكر على صفحتها الأولى التي حملت بوضوح 7-7 تاريخ يوم لن ينسى في لندن، أن الانفجارات الأربعة خلفت 52 قتيلا.
بالطبع تربط كل الصحف بين قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى المنعقدة في جلن ايجلز باسكتلندا والهجمات، كما تربط عدد من الصحف بين الانفجارات التي شهدتها لندن وهجمات إرهابية في مدن أخرى مثل تفجيرات قطارات مدريد وهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن.
وتقارن أيضا الصحف البريطانية بين الابتهاج والفخر الذي عم المدينة الأربعاء بعد إعلان أنها ستستضيف الألعاب الاولمبية عام 2012 والأعلام ترتفع عاليا، والصدمة والحزن والوجوم وتنكيس الأعلام الذي خيم عليها بعد انفجارات الأمس.
ماذا بعد الغضب؟
والربط بين قمة الثماني والتفجيرات اختصرته صحيفة الفاينانشيال تايمز في رسم كاريكاتوري لقادة الدول الصناعية من جانب يمدون يدهم برزمة من النقود لأطفال إفريقيين يمدون أيديهم لتلقيها، ولكن انفجارا بين الجانبين يعوق وصولها.
و"ما يعقب الغضب" هو عنوان احد مقالات الرأي في الصحيفة التي يرى كاتبها انه إذا تأكد أن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن الهجمات، فانه بالرغم من أنها مأسوية، فلقد جاءت على نطاق أضيق كثيرا مما خشي منه البعض.
ويضيف كاتب المقالة في الفاينانشيال تايمز أن الجماعات الإرهابية لن تتسنى هزيمتها إلا من خلال فصلها عن العناصر التي تساندها وتمنح لها مزيدا من الأعضاء، وهو ما كان قادة الدول الثماني الكبرى يبحثونه بشأن تقديم المساعدات للدول الأكثر فقرا على أساس أن القاعدة والتنظيمات الشبيهة بها هي انعكاس لفترات طويلة من الظلم الحقيقي حول العالم على حد قول الكاتب.
ويختتم مقالته في الصحيفة قائلا إنه حتى تتمكن بريطانيا من مواجهة الإرهاب يجب عليها، يقصد حكومتها بمساندة من شعبها، أن تتبنى سياسات متوازية وان كانت ليست جميعها متوافقة، وهي أن تظل شريكة في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب، وفي نفس الوقت المساعدة في حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، والمضي قدما في حملة اجعلوا الفقر شيئا من الماضي وإعطاء المساعدات للدول الأكثر فقرا.
ويتفق مقال في ذات الصفحة على الفاينانشيال تايمز إلى حد كبير مع هذا المفهوم بشكل واضح من عنوانه الذي يقول "لا القوة فقط، ولا السياسة وحدها تستطيع هزيمة الإرهاب". ويقول الكاتب إن ما هو مطلوب من الحكومات هو حل ومواجهة التحديات المعقدة التي يفضلون في اغلب الوقت تجاهلها.
في وجه الخطر
تشيد افتتاحية الجارديان بتحلي اللندنيين بالهدوء والشجاعة في وجه اكثر الهجمات دموية على مدينتهم ، وتقول إن رد فعل المواطنين خلا من الذعر الهيستيري وكأن التحذيرات المتكررة من احتمال وقوع هجمات مثل تلك على المدينة قد جعلت استقبالهم للأمر هادئا.
وتضيف الصحيفة أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير كان محقا عندما قال إن الإرهابيين لن يغيرونا بأفعالهم، ولكن منع وقوع المزيد من الهجمات لن يكون فقط بالتحقيقات وعمل الاستخبارات وإحكام التدابير الأمنية، بل يجب أن نبحث في الأسباب التي تدفع بعض الناس لارتكاب مثل هذه الأفعال، وأيضا الحفاظ على كافة قيم المجتمع البريطاني بما فيها التسامح والحفاظ على الحريات المدنية كما ترى الصحيفة.
وتفرد الجارديان نصف صفحة لمقال لوزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك يقول فيه إن قمة الثماني يجب أن تنتهز الفرصة لمناقشة جذور مثل هذه الفظائع بمنظور اشمل، مؤكدا على انه يرى أن مقاومة الإرهاب لا يمكن أن ينتصر احد فيها بالوسائل العسكرية وان النجاح يمكن أن يأتي فقط من خلال التركيز بشكل اكبر على المساحات المشتركة مع العالم الإسلامي.
ويكتب طارق علي في الجارديان عن "ثمن الاحتلال"، وينقل عن عمدة لندن كين ليفينجستون حجته في معارضة الحرب على العراق لكونها ستشعل الرأي العام بالغضب وتهدد الأمن والسلام في كل مكان، ويقول انه بالرغم من أن غالبية اللندنيين مثلهم مثل كثير من البريطانيين عارضوا الحرب على العراق إلا أنهم عانوا بالأمس من الهجمات التي جاءت كثمن فادح يدفعونه مقابل إعادة انتخاب بلير واستمرار وجود القوات البريطانية في العراق.
ويختلف الكاتب مع وجهة النظر القائلة بأن الفقر هو المسبب الرئيسي للإرهاب ويقول إن السبب الرئيسي للعنف هو العنف الذي يتعرض له الناس في العالم الإسلامي، ويرى انه طالما لم ندرك ذلك، ستستمر الأحداث المفزعة.
سنصبح أقوى
"يوم اسود، سنخرج منه أقوى" هو رأي الديلي تلجراف في أحداث الأمس كما جاء في افتتاحيتها، التي تبدأها بأن لندن، المدينة العظيمة والمتحركة التي فازت بشرف استضافة الألعاب الاولمبية عام 2012، تصاب بالشلل بعد يوم واحد بهجمات إرهابية.
وتمضي الصحيفة قائلة إن فشل الاستخبارات في منع وقوع مثل هذه الهجمات المتزامنة المنظمة يحتاج إلى بحث، كما استفادت خدمات الطوارئ والشرطة من دروس الأمس إذا ما اضطرت للاستجابة لأي حدث اكبر في المستقبل، وهو ما يجعل رد الفعل على هذا اليوم المأساوي يمنح القوة لاستكمال معركة مقبلة يبدو أنها ستتسم بالطول والمرارة.
تردد ذات المعنى في مقالة أخرى يقول عنوانها "يجب أن نتقبل أن التهديد الإرهابي هنا ليبقى"، ويقول كاتب المقال توم اتلي ساخرا انه إذا كان الهدف وراء تفجيرات لندن هو إسقاط الأسرة الحاكمة في الرياض، فان تفجير من يتوجهون إلى عملهم في الصباح في لندن ليس أفضل وسيلة عملية لتحقيق هذا الهدف.
وفتحت الهجمات الباب أمام جدال عن السياسات البريطانية الحالية، وأيضا عن السياسات التي يشجعها وقوع مثل هذه الانفجارات.
وفي الديلي تلجراف يظهر هذه الجدل بوضوح بين موضوع ينتقد سياسات بريطانية تقول الصحيفة إنها أدت لوجود عدد كبير من الإسلاميين المتشددين على أراضيها سواء بالهجرة أو اللجوء السياسي، وآخر يتوقع أن تفتح التفجيرات الباب أمام تبني قوانين اشد صرامة في مكافحة الإرهاب بما يعطي السلطات مزيدا من الصلاحيات على حساب حرمان فئات من المزيد من حقوقهم الفردية.
واشتركت جميع الصحف البريطانية في نقل مخاوف من تعرض المسلمين في بريطانيا لعمليات وردود أفعال انتقامية، وأيضا نشرت اغلبها مقالات تدعو للوحدة بين كافة فئات المجتمع البريطاني دون أي تفرقة على أساس الدين أو العرق.
ونقلت الديلي تلجراف عن المجلس الإسلامي في بريطانيا إدانته للهجمات التي قال عنها إنها أفعال إرهابية لا تفرق فيمن تضرب ووصفها بأنها أفعال شريرة تسقط ضحايا من الجميع، محذرا من أن فاعليها يقصدون "إشاعة الفرقة بين الناس".
المجتمع المفتوح
وتتفق الاندبندنت في افتتاحيتها مع الآراء التي تدعو بالتمسك بقيم المجتمع البريطاني قائلة انه "لا يجب أن نسمح للعمل الوحشي بالتأثير سلبا على مجتمعنا المفتوح"، ومن جانب آخر تنشر في الصفحة المقابلة مقالة لستيف ريتشاردز يقول فيها إن المسؤولين عن التعامل مع الإرهاب يجب أن يمنحوا كل السلطات التي تمكنهم من ذلك، دون تهميش كامل للتحذيرات التي تخشى على تأثر الحريات الفردية، ولكن أيضا دون المغالاة في الحذر بسببها لاتخاذ الإجراءات المناسبة التي ضرب الكاتب مثالا لها بإقرار نظام بطاقات الهوية.
ومثل ما تمسك روبن كوك بموقفه كمعارض للحرب على العراق، تمسك روبرت فيسك في الاندبندنت بموقفه كذلك في مقال بعنوان "حقيقة التفجيرات البربرية" قائلا انه إذا كانت القوات البريطانية تحارب التمرد في العراق، ماذا يجعلنا نعتقد أن التمرد لن يأتي إلينا؟.