Skip to main contentAccess keys helpA-Z index

آخر تحديث: الإثنين 20 أكتوبر 2008 11:47 GMT
"عيد ميلاد ليلى": هجاء الواقع الفلسطيني مع نظرة أمل

امير العمري - بي بي سي
أمير العمري
بي بي سي- لندن

من فيلم "عيد ميلاد ليلى"
يعد الفيلم تقريرا بلاغيا لما يمكن أن نطلق عليه "الحالة الفلسطينية" من الداخل

ضمن عروض مهرجان لندن السينمائي عرض الفيلم الفلسطيني الجديد "عيد ميلاد ليلى" للمخرج رشيد مشهراوي. والفيلم من الإنتاج المشترك مع تونس وفرنسا كما حصل على مساعدات تقنية من المغرب.

وكان رشيد مشهراوي قد بدأ رحلته في الإخراج السينمائي قبل أكثر من عشرين عاما، وقدم عدد كبيرا من الأفلام التسجيلية القصيرة والطويلة التي حفر من خلالها أسلوبا مميزا في الفيلم التسجيلي أكسبه شهرة عالمية.

الفيلم الجديد يبتعد عن "الموضوعة" المكررة في الكثير من الأفلام التي يصنعها سينمائيون فلسطينيون، والتي تدور عادة حول ثنائية الفلسطينيين- الاحتلال.

ولكن رغم غياب الإسرائيلي تماما عما يصوره رشيد في فيلمه فإنه موجود طيلة الوقت من خلال الإحساس الذي تولده الصور المتتابعة التي نشاهدها، أو من خلال الطائرة المروحية التي تحلق فوق المدينة طوال الوقت ونسمع صوت محركاتها من خارج الصورة.

تراكم المواقف

فيلم "عيد ميلاد ليلى" ليس من الأفلام "الدرامية" المعقدة، بل ويمكن القول إن "الدراما" من حيث كونها صراعا بين عدد من الشخصيات غائبة من هذا الفيلم، فالناحية الدرامية فيه لا تعتمد على تداخل الأحداث والشخصيات، والصراعات التي تنشأ بينها، وما يمكن أن تصل إليه من "ذروة" تنتهي في النهاية بالحل على الطريقة التقليدية.

موضوع الفيلم يسير في خط بسيط يعتمد على تراكم المواقف بغرض توليد "حالة شعورية"، كما ينقل رسالة واضحة يريد مؤلف الفيلم مشهراوي توصيلها إلى جمهوره في العالم الخارجي.

هذه الرسالة ربما تتلخص في كلمة واحدة هي: كفى. أي كفى فوضى ومزايدات وإهمالا وكلاما كبيرا فارغا، وكفى أيضا احتلالا وتضييقا على حياة الناس. ويترجم رشيد خلال فيلمه معنى هذه الكلمة من خلال المواقف المتعددة التي يصادفها بطله خلال يوم واحد. والبطل هنا هو قاض عمل عشر سنوات في دولة عربية ثم استدعته السلطة الفلسطينية في رام الله للعودة.

وهو يعود ويرغب في الحصول على وظيفته وممارسة دوره المنتظر في ضبط إيقاع المجتمع الفلسطيني الجديد. لكنه لا يجد أن هناك وظيفة في انتظاره، فالتغيرات السياسية المتتالية تنعكس بشدة على الأوضاع المهنية والبيروقراطية وتحول دون استلامه تخصيص وضع مالي له يمكنه من ممارسة وظيفته وضمان دخل يعيش منه. لذلك يضطر "أبو ليلى" للعمل كسائق للتاكسي، وهو يؤكد لكل من يسأله أنه لا يمتلك سيارة التاكسي بل هي لشقيق زوجته.

وضع ملتبس
من فيلم "عيد ميلاد ليلى"

هذا الوضع الملتبس الذي يضع فيه رشيد مشهراوي بطله ويحدده من أول مشهد في الفيلم، ربما كان يجسد، على نحو ما، أزمة الهوية لدى البطل- اللابطل الفلسطيني العائد، بمعنى أنه يجد نفسه ضائعا بين أحراش ذلك "المجتمع الجديد"، لا يدري هل هو قاض أم سائق، ولأنه لا يستطيع ممارسة دوره كقاض بين جنبات المحكمة، فإنه يحاول فرضه على الناس في الواقع من ركاب التاكسي.

أبو ليلى لديه طفلة وحيدة هي "ليلى". ومواقف الفيلم تقع كلها في يوم واحد هو يوم الاحتفال المنتظر بعيد ميلاد ليلى. والزوجة (عرين العمري) تؤكد على زوجها (محمد بكري) عند خروجه للعمل في الصباح، ضرورة العودة في وقت مبكر مساء للاحتفال بعيد ميلاد الطفلة التي بلغت السابعة من عمرها.

والفيلم الذي صور في مدينة رام الله يعد تقريرا بلاغيا شديد الفصاحة والبساطة لما يمكن أن نطلق عليه "الحالة الفلسطينية" من الداخل: فوضى الحياة، غياب القانون، الصراعات بين الأجنحة والجماعات المسلحة، الشباب الذي لا يعرف إلى أين يسير، الحصار الاقتصادي الخانق، وتدهور الخدمات، والاغتراب الذي لا علاقة له بالبحث عن معنى الوجود بل بالرغبة في إنهاء الوجود كما نرى في حالة الشاب الذي يعترض على أبو ليلى لأنه أخفق في صدمه بسيارته وقتله.

السخرية السوداء

غير أن الإحساس القوي لدى معظم الشخصيات التي يقابلها السائق- القاضي في الفيلم بوطأة الأوضاع الاقتصادية والسياسية عليهم لا يجعل الفيلم يبتعد عن توجيه النقد ايضا لتصرفات الأفراد: البيروقراطية والتشتت داخل أروقة وزارة العدل الفلسطينية، المظاهر المسلحة في الشارع، الشرطة وطريقتها في معاملة المواطنين، كما يصور حالة انعدام المنطق بل وفقدان العقل أحيانا.

يقابل أبو ليلى في يومه الكثير من المشاكل والقضايا الصغيرة التي ينسجها السيناريو ببراعة، ويغلفها بروح من السخرية السوداء مثل شخصية المرأة التي ترغب أن ينقلها أبو ليلى إلى المقابر ومستشفى المدينة، ولا تجد فرقا بينهما. يقول لها هو إن العادة تقتضي الذهاب إلى المستشفى أولا قبل التوجه إلى المقابر، فتقول له المرأة إن زيارة المقابر لزوجها المقيم هناك، أما المستشفى فهي لها لأنها مريضة بالقلب، ولا تجد فرقا بين الذهاب إلى اي من المكانين أولا، فهما في نظرها يؤديان إلى بعضهما البعض!

ولأن رشيد مشهراوي يستغرق في تجسيد المأساة كما تنعكس على الأفراد فقد كان مقبولا أن يجعل بطله يسخر ويعلق ويتهكم، في إطار كوميديا سوداء سيريالية رغم واقعيتها الشديدة، لكن المشكلة أن هذا الأسلوب يغوي بالانحراف أحيانا في اتجاه المبالغات، والاستطرادات "المسرحية" المباشرة.

يتضح هذا، مثلا، في المونولوج الذي يستغرق فيه سائق العربة التي يجرها حمار، وحديث الرجل عن كيف أن الحمار أصبح يفهم ويعقل، ربما أكثر من الجميع.. إلخ.

وهناك أيضا مبالغات لفظية مقصودة للإمعان في السخرية مثلما يصدر عن مذياع السيارة، والمذيع يصف في إطار نشرة الأخبار، بسخرية، كيف شجبت الدول العربية، وأدانت، واستنكرت، وانتقدت، ولامت، ووبخت.. دلالة على العجز العربي عن الفعل في مواجهة إسرائيل.

من فيلم "عيد ميلاد ليلى"
ينتهي الفيلم وأبو ليلى يقرر أن يتخلى عن كل شئ

وفي موقف آخر يصور مجموعة من الفلسطينيين يشاهدون التليفزيون داخل أحد المقاهي. التلفزيون يعرض صورا لاعتداءات واشخاص يبدو انهم من الشرطة يدفعون عددا من الشباب.

يختلف النظارة حول ما يشاهدونه فهناك من يعتقد أنها معركة داخلية بين الفلسطينيين والشرطة الفلسطينية، وهناك من يقول إن الشرطة اسرائيلية، وهناك شخص ثالث ينبه الجميع إلى أن ما يشاهدونه يحدث كله في العراق!

ويقع انفجار سيارة لا نعرف من المسؤول عنه، ويجد أبو ليلى نفسه مضطرا للذهاب للمستشفى للعودة بسيارته التي استخدمها أحدهم في نقل الجرحى. لكننا لا نشاهد جرحى وقتلى واشلاء كما في الأفلام الوثائقية او الصور التليفزيونية التي تعرض يوميا.

فرشيد مشهراوي يحاول أن يتجنب استخدام اللقطات المكررة في نشرات الأخبار، حتى لا يبتعد عن موضوعه الذي يدور حول معاناة الإنسان البسيط، الذي لا يريد أن يكون "بطلا" فالوضع لم يعد- في رأيه- يتحمل أبطالا مجانيين!

صرخة احتجاج

يصل أبو ليلى قرب نهاية اليوم إلى فقدان تام لقدرته على التحكم في نفسه فيتناول مكبرا للصوت من داخل سيارة شرطة خالية ويصرخ في الجميع أن يمتثلوا للنظام، وأن يسير المارة على الرصيف، وتتحرك السيارات التي تسد الطريق، ثم يتطلع إلى السماء، إلى أعلى، حيث تحلق المروحية الإسرائيلية، ليوجه صرخته عالية: كفى.. نحن نعرف أنكم أقوى قوة احتلال في العالم.. كفى.. نريد أن نتنفس وان نعيش مثل البشر.

يقول رشيد مشهراوي: "إن فيلم "عيد ميلاد ليلى" بالنسبة لي هو محاولة لترجمة البلبلة التي ترافق الشارع الفلسطيني في السنوات الأخيرة ، والناتجة من حقيقة كونه قابعا تحت الإحتلال الإسرائيلي أكثر من نصف قرن، يقاوم للتحرر، ويفاوض للسلام، والنتيجة في أغلب الأحيان هي المزيد من تدهور الوضع، والعودة للوراء وما يترتب على ذلك من إحباطات وعدم مبالاة، وخصوصاً عدم القدرة على الإعتناء بالتفاصيل الصغيرة للحياة، مما يجعل حياتنا في بلدنا عبارة عن نسيج طريف من البؤس المبكي المضحك.

ويضيف مشهراوي: "الفيلم أيضاً محاولة إضافية لإعادة إختراع الأمل الذي إحترفنا إختراعه، خصوصاً في تلك المرحلة الخاصة من حياتنا والتي يتواجد بها الشعب الفلسطيني منقسم فكرياً وأيدولوجياً وجغرافياً تحت قمع الإحتلال الإسرائيلي".

ينتهي الفيلم وأبو ليلى يقرر أن يتخلى عن كل شئ: إنه لن يعيد الهاتف المحمول إلى صاحبه الذي نسيه في التاكسي الآن، ولن ينقل أحدا إلى اي مكان، بل سيحمل الكعكة التي تمكن بالكاد من شرائها، ويذهب إلى المنزل للاحتفال مع زوجته بعيد ميلاد ليلى الصغيرة.. الأمل الجديد في مستقبل أفضل.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com