Skip to main contentAccess keys helpA-Z index

آخر تحديث: الأحد 27 يوليو 2008 12:29 GMT
يوسف شاهين: في الفن الذات مرآة العالم
اقرأ أيضا


أنور حامد
أنور حامد
بي بي سي-لندن

يوسف شاهين
يوسف شاهين في كان حيث عرض في مهرجانها عدد من أفلامه

كأن يوسف شاهين كان طوال رحلته الفنية يحاول ضبط إيقاع الحركة بين الذات والمجموع في الفن، وهو إيقاع صعب الضبط.

الذات في تفاعلها مع المجموع وليس في انغلاقها على نفسها وانشغالها بهمومها المحددة التي ربما عزلتها وأقصتها عن دائرة اهتمام المجموع، والذات من حيث هي كيان فاعل ومعني بما يجري حولها. من هنا كان طابع معظم أفلام يوسف شاهين هو الطابع النقدي على المستوى الإجتماعي والسياسي.

ومن هنا كان ما يعتقد أنه أكثر أفلامه ذاتية (فيلم اسكندرية ليه الذي ينظر اليه على أنه سيرة ذاتية) يتجاوز في تناوله شخصية يحيى المحب للتمثيل والذى عبر عن يوسف شاهين في فترة شبابه، ليقدم بانوراما إجتماعية لمدينة الإسكندرية، دون أن يغفل القضية السياسية التي شغلت الناس في تلك المرحلة الزمنية: الاحتلال الإنجليزي.

النقد عند يوسف شاهين قاس، بل جارح، وهو ما أثار حفيظة البعض، بل أكثر من ذلك، حجب عنه التمويل الرسمي كما قال، حيث بعد فيلمه "العصفور" الذي يحمل مسؤولية هزيمة الجيش المصري في حرب يونيو/حزيران عام 1967 للفساد في المؤسسة السياسية المصرية، لم يعد يحصل على تمويل رسمي لأفلامه كما قال.

الفساد هو الموضوع الذي توقف عنده شاهين طويلا، سواء الفساد السياسي أو الإجتماعي.

في فيلمه الأخير "هي فوضى" كان الموضوع حاضرا بقوة، ولكن بدا وكأن التوازن بين الذات والمجموع والذي حرص شاهين على الحفاظ عليه قد بدأ يميل لصالح المجموع. ليس تماما، فبالرغم من أن بعض النقاد يقولون إنه ابتعد عن سينما الرؤية الذاتية في هذا الفيلم الا أنه بقي أمينا للمعادلة في خطوطها العريضة: الذات هي مرآة العالم، والشخصية هي معادل للطبقة التي تنتمي اليها. حتى الأسماء التي هي أكثر سمات الشخصية التصاقا بها لها دلالات رمزية تتجاوز الفرد الذي يحمل الإسم الى ما تمثله الشخصية، إسم بهية مثلا الذي يرمز الى مصر الشعبية، مصر المسحوقة والمناضلة في آن. يعتقد بعض النقاد أن هذا يوقع يوسف شاهين في إشكالية، هي محدودية المحتوى الرمزي لبعض الشخصيات التي يختارها لتعبر عن قيمة أو فئة أو طبقة أو سلطة.

من فيلم "هي فوضى"
في فيلم "هي فوضى" بقي وفيا لاستقطاب السلبية والايجابية في الشخصيات

هذا ما يراه الناقد الزميل أمير العمري فيما يتعلق بالشخصية المحورية لفيلم "هي فوضى"، وهي شخصية حاتم، أمين الشرطة الفاسد، حيث يقول ان تعمد استخدام الشخصية لتذكر بشخصية سياسية (الرئيس السابق أنور السادات) مع محدودية مقوماتها جعلها تبدو غير مقنعة، فحاتم يكرر أقوال من مثل "ان من لا خير له في حاتم لا خير له في مصر" وهو قول يتجاوز مدلول الشخصية ذات السلطة السياسية المحدودة مقارنة بشخصية السادات ذات الصلاحيات الواسعة.

ليس بالضرورة، وقد لا يكون ذلك ناجما عن اغفال يوسف شاهين لهذه النقطة، بل ربما هو تعمد أن يجعل تلك الشخصية تتجاوز حدودها، تماما كما كان السادات يفعل، فهو حتى مع كونه رئيس جمهورية الا أنه لن يصبح بالضرورة معادلا لمصر أو للشعب المصري ككل، خاصة مع عدم وجود إجماع سياسي مصري على الموقف منه.

إذن، ومع أن الناقد أمير العمري يرى أن شخصية حاتم في الفيلم "تظل أضعف من أن تصبح رمزا للسلطة الغاشمة" بسبب ما أوردناه آنفا، الا أن هذا الجانب قد يكون إسقاطا كاريكاتوريا متعمدا على الشخصية يذكر ببعض جوانب الشخصية التي تشير اليها.

عناصر المعادلة السحرية

والآن عودة إلى الإشكالية التي لم تقتصر على يوسف شاهين بل كان على كل من يؤمن باضطلاع الفن بوظيفة اجتماعية أن يتعامل معها.

بادئ ذي بدء هناك من يقول باستحالة موضوعية لغياب العناصر الذاتية من أي نتاج إجتماعي، كالفن، والعكس صحيح، لا يمكن التحلل من درجة ما من "الإلتزام"الإجتماعي لأي نتاج فردي.

حتى دعاة مبدأ "الفن للفن"، وهو الصيغة الأكثر تحللا من أي التزام اجتماعي، يدركون أن "الفن" في حد ذاته وكمنتوج ذهني وجمالي هو في النهاية نتاج اجتماعي. الفرق بين هؤلاء وشخص كيوسف شاهين أن الأخير يحرص على أن يكون مفهومه لدور الفن (ونحن الآن نتحدث عن مزيج ذاتي-إجتماعي) حاضرا لدرجة قد تصل أحيانا حد الإقحام، في أعماله.

الإشكالية إذن، وكما أشرنا في البداية، هي القدرة على خلق التوازن بين العنصرين الذاتي والإجتماعي، فإلى أي مدى نجح يوسف شاهين في خلق هذا التوازن ؟

لم يكن انعكاس ذلك في أفلامه متجانسا، فحينا كانت الكفة تميل لصالح الذات، وتارة يتغلب حضور المجموع، ولكن ما بقي شبه ثابت في أفلام شاهين هو التأكيد شبه المباشر على مفهومه "الأخلاقي، حتى لا أقول الأيديولوجي، في الأفلام، والنزوع الى تأكيد الصفة الإيجابية للشخصيات التي يتعاطف معها وجعل الشخصيات النقيضة كتلة من السلبية.

عودة الى اثنين من أفلامه: "العصفور" و "هي فوضى" لنرى ذلك واضحا تماما: ففي فيلم "العصفور" "تخرج بهية صارخة ترفض الهزيمة يوم 9 يونيو/حزيران عام 1967، ويخرج الناس وراءها يحاصرون اللصوص الذين كانوا ما زالوا يواصلون نهب مؤسسات الدولة" (من قراءة الناقد أمير العمري للفيلم).

ولكن ما الذي عمله يوسف شاهين هنا ؟ هل وقع أسير العاطفية السطحية في اصراره على تضمين فيلمه موقفا ايجابيا متفائلا ؟ أم أن هذا مشروع في الفن ولا ينتقص من قيمته الجمالية ؟ هذا سؤال صعب بالتأكيد، وهو يعتمد على جملة عناصر من أهمها قدرة الفنان على صياغة "إيجابيته" بشكل لا يغربها عن المصداقية ولا يجعلها نتاجا مباشرا لشعارات أيديولوجية. فهل نجح يوسف شاهين في ذلك ؟

الجواب نعم ولا (استنادا الى فيلم "العصفور" في البداية): نعم، لأن الجو السياسي السائد في مصر في الزمن الذي يصوره الفيلم كان مشوبا بالعاطفية والإيمان بالقدروة على النهوض، فاذا اعتمدنا هذا الجانب نستطيع القول إن شاهين كان صادقا في تصويره.

أما إذا افترضنا أن الفن الرفيع (وهو ما كان يصبو الى بلوغه شاهين في أفلامه) يجب أن يتجاوز المشاعر ليقدم تصورا جماليا، فلسفيا، ورؤية تتجاوز الواقع الآني، فالجواب إذن أن نجاحه كان محدودا.

في فيلم "هي فوضى" أيضا نجد أنفسنا أمام نفس المأزق ونفس التناول تقريبا: بهية ونور كنموذج لشخصياته الشعبية (الإيجابية) لا تعاني من أي ثغرات، فهي قوية، جادة، منتصرة (معنويا على الأقل)، أما الشخصيات السلبية (كشخصية ضابط الشرطة ممدوح)، فهي ليست سلبية بالمفهوم المباشر فقط (الفساد التسلط)، بل مشوهة نفسيا، وان كنت أعتقد أن شاهين، وربما دون أن يقصد، اضفى على الشخصية بعدا انسانيا بتسليطه الضوء على تشوهاتها الداخلية.

على كل حال، نحن أمام محاولات معقدة للتعامل مع قضية في غاية التعقيد أصلا، وبالتالي ليس هناك مبرر لانتظار معادلة سحرية لحلها، ولو أردنا الإدلاء برأي منصف لكان لزاما علينا أن نقول إن يوسف شاهين كان مخرجا متميزا وجادا ولم يتردد في الدخول في تحديات تهدد شعبية أعماله وان كانت تضيف الكثير الى رصيده الفني والفكري.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com