Skip to main contentAccess keys helpA-Z index

آخر تحديث: الأحد 18 نوفمبر 2007 19:46 GMT
رؤية سينمائية بريطانية لـ "معركة حديثة"

أمير العمري
أمير العمري
بي بي سي - لندن

لقطة من فيلم "معركة حديثة"
يصور الفيلم كيف يتم تحويل جنود المارينز إلى أدوات غاشمة للقتل

السينما الأمريكية بدأت خلال الفترة الأخيرة في التعبير عن "المأزق الأمريكي في العراق" من خلال عدد من الأفلام منها ما يصل إلى قدر كبير من الجرأة، السياسية والفنية، مثل "روقب" Redacted لبريان دي بالما، و"في وادى إيلاه" In the Valley of Elah لبول هاجيس.

أما السينما البريطانية فلم تكن قد قدمت بعد إسهاما حقيقيا يعتد به في الملف العراقي إلى أن ظهر أخيرا فيلم "معركة حديثة" للمخرج نيك برومفيلد المعروف بأفلامه التسجيلية المثيرة للجدل التي بدأ في إنتاجها وإخراجها منذ 1971، وعرف بأسلوبه الخاص، الحميم والمباشر في التصوير، وهو ما يجعل أفلامه أقرب إلى مفهوم "سينما الحقيقة". ومن معطف برومفيلد خرج سينمائيون تسجيليون اصبحوا اليوم من المشاهير يتقدمهم بلاشك الأمريكي مايكل مور.

غير أن برومفيلد يمد تجربته على استقامتها، ويخوض هنا، بنجاح كبير، للمرة الأولى تجربة الفيلم الدرامي أو ما يعرف بالدراما التسجيلية، أي التي تبدو كما لو كانت تسجيلا موثقا بالتواريخ والأماكن والأحداث، إلا أنها في الحقيقة، تجسيد درامي يزخر بالمشاعر والانفعالات والقوة لما يمكن ان يكون قد دار في الواقع. والفيلم بهذا المعنى قمة الواقعية.

يعيد الفيلم تقديم الأحداث الدامية التي وقعت في مدينة حديثة العراقية في التاسع عشر من نوفمبر2005، وأدت إلى مقتل 24 من العراقيين .

هناك أولا القنبلة التي زرعها مسلحون على أحد جانبي الطريق وأدى انفجارها إلى مقتل أحد جنود المارينز بعد أن اصيبت المدرعة التي كان داخلها إصابة مباشرة.

ثم جاء البيان العسكري الأمريكي الصادر بعد الحادث لكي يقول إن الانفجار أدى إلى مقتل 15 عراقيا، ثم يذكر قتل 8 مسلحين عراقيين خلال المطاردة التي اعقبت وقوع العملية لمنفذي الهجوم.

ظلت هذه الرواية الرسمية لما حدث قائمة حتى أوائل 2006 عندما وصل شريط فيديو إلى مجلة "تايم" الأمريكية فأقام الدنيا ولم يقعدها.

هذا الشريط يصور جثث العراقيين الذين قتلوا داخل منازلهم وبينهم نساء وأطفال. وقال شهود عيان عراقيون عند استجوابهم إن فصيلة من جنود المارينز انطلقت في المدينة تمارس القتل العشوائي دون ضابط أو رابط، تقتحم البيوت وتقتل الأبرياء في عقاب جماعي شديد الدموية لما وقع لزميلهم.

لقطة من فيلم "معركة حديثة"
يشرح الفيلم ميكانيزم تحول بعض الشباب العراقي إلى العمليات المسلحة

عقب انفضاح الأمر، وانكشاف أن ستة على الأقل من القتلى من الأطفال، تتراوح أعمارهم بين سنتين و14 سنة، تأمر السلطات العسكرية الأمريكية بفتح تحقيق في الحادث، ويستقيل عدد من العسكريين هربا من مواجهة الفضيحة.

ويوجه الجيش الأمريكي تهما لأربعة عسكريين من المارينز بالقتل الخطأ ويتهم أربعة اخرون بالتسترعلى الحادث.

محاور الفيلم

يعيد المخرج- المؤلف برومفيلد رواية ما وقع من خلال ثلاثة محاور درامية: الأول محور المسلحين، الذي يصور كيف يتحول ضابط سابق بالجيش العراقي الذي تم تسريحه بعد الغزو الأمريكي، إلى مشارك في العمليات المسلحة ضد الأمريكيين في العراق، وكيف يتعاون في ذلك مع نشطاء يشير الفيلم بوضوح إلى احتمال علاقتهم بتنظيم القاعدة.

ويصور كيف يقوم أيضا بتجنيد شاب عراقي من الشباب البسيط، يعمل في بيع شرائط الفيديو والاسطونات المدمجة، ويتابع كيف يصبح الشاب على قناعة باللجوء إلى العنف، وكيف يقوم بمساعدة الضابط السابق (أحمد) في نقل القنبلة وزرعها أمام منزل في الطريق العام، ثم يقوم بعد ذلك بتصوير رد فعل الجنود الأمريكيين علة شريط فيديو، لاستخدامه في الدعاية ضدهم، ويصور بالتالي آثار ما بعد المذبحة التي يرتكبها جنود المارينز.

حياة أسرة عادية

المحور الثاني يركز على أسرة عراقية كبيرة العدد، من شتى الأجيال، تتعايش رغم الموت المحيط بها، لايزال أفرادها يملكون القدرة على الاحتفال بالحياة، يجمعهم الحب، ويتماسكون في مواجهة المأساة الممتدة.

يبتعد برومفيلد في تصويره لحياة الأسرة العراقية عن الصورة النمطية الشائعة، بل يجرؤ على تصوير بعض أحلى مشاهد الحب بين زوج عراقي وزوجته، ربما للمرة الأولى على الشاشة، بكل تلك الرقة والشاعرية والجمال.

لقطة من فيلم "معركة حديثة"
يجرؤ الفيلم على تصوير بعض أحلى مشاهد الحب بين زوج عراقي وزوجته

ويكون هذا المشهد تمهيدا للمشهد التالي الذي تنقلب بعده حياة الأسرة رأسا على عقب، فالقنبلة تزرع أمام المنزل تماما، يراقب الجميع كيف يقوم الرجلان بزرعها، لكنهم لا يتجرأون على الاعتراض أو حتى التبليغ خشية العواقب، حسب نصيحة حكيم الأسرة وشيخها الذي سيكون أول من يقتل دون رحمة أو شفقة.

يقع الانفجار في الوقت المناسب مع عبور قافلة الفصيلة الأمريكية، ويودي بحياة جندي أمريكي ويصيب جنديا آخر بجروح، ويجن جنون جنود الفصيلة، فيصابون بسعار القتل الجماعي المجاني المجنون.

أما المحور الثالث فيركز على فصيلة الجنود المارينز: كيف يتم تحولهم إلى أدوات غاشمة للقتل، إحساسهم بعبثية وجودهم في العراق، الخوف عند كل منعطف، الغربة عن المكان، وفي الوقت نفسه الإحساس بالتحصن داخل الملابس الكثيفة، والتدجج بالاسلحة الفتاكة، ثم كيف يصابون بسعار القتل، يقنصون المارة، يحرمون الزوجة من زوجها، ثم يهاجمون البيوت ويقتلون معظم أفراد الأسرة بصورة عشوائية تثير القشعريرة في البدن.

مشاهد القتل

ويصور برومفيلد مشاهد القتل بصورة أقرب إلى التسجيلية المباشرة التي تصيب المتفرج دون شك بالصدمة، على نحو يتجاوز كثيرا ما صوره بريان دي بالما في فيلم "روقب" Redacted، ويعيد خلق مشاهد بكاء ونحيب أقارب القتلى العراقيين التي تعقب المذبحة في شكل أقرب إلى الواقعية التسجيلية التي تشتهر بها أعمال كبار السينمائيين في العالم مثل بونتيكورفو في "معركة الجزائر".

ولا يجعل برومفيلد فيلمه يتمحور بين الأبيض والأسود، بل ينجح في تحقيق التوازن في بناء الشخصيات، فيجسد منطق المسلحين العراقيين في العمل ضد القوات الأمريكية دون أن يبرر لهم.

إلا أن الحوار الذي يدور بين أحمد (الضابط السابق) وإياد (الشاب المتطوع للعمليات المسلحة بعقلية مدمن مشاهدة أفلام العنف) يبدو أقرب إلى "مونولوج" ساذج، يشرح بطريقة مباشرة للمتفرج دوافعه، ويروي كيف أنه "لم يكن بعثيا يعمل في خدمة صدام بل كان يخدم بلده)، وكيف حرمه الأمريكيون من العمل بعد حل الجيش.

وبدا الفيلم في بعض أجزائه وكأنه يريد أن يؤكد على فكرة أن الظروف تصنع الأشخاص، وهو منطق قد يحمل هنا خطورة المساواة بين كل الأطراف: فكلها ضحايا على نحو ما، لقوى أكبر منها. ويصور أيضا كيف يستغل عدد من رجال الدين ما ترتكبه القوات الأمريكية للتحريض في المساجد على العنف المضاد، وانتهاز الفرصة لتجنيد الشباب وإلحاقهم بالتنظيمات المسلحة في العراق.

ردود فعل
مخرج الفيلم نيك برومفيلد اثناء اخراج مشهد من فيلم "معركة حديثة"
الفيلم لا يفاضل بين الأبيض والاسود بل يفضل تناول الشخصيات في أبعادها المختلفة

ومن جهة أخرى يصور ردود الفعل النفسية القاسية كما تنعكس في النهاية على قائد فصيلة المارينز بعد أن ينغمس مع رجاله في ممارسة القتل دون تفرقة، بطريقة مغرقة في السادية، ثم تبدأ مناظر سفك الدماء تطارده في كوابيسه وتحول حياته إلى جحيم، وتدفعه إلى مراجعة دوره في العراق.

ويسيطر برومفيلد سيطرة مدهشة على الأداء التمثيلي لمجموعة الممثلين المشاركين في فيلمه وعلى رأسهم إيليوت رويز الذي يقوم بدور قائد فصيلة المارينز، وهو يقوم هنا بدوره الحقيقي كندي من جنود المارينز سبق أن خدم في العراق، ويبدو صالحا تماما لكي يلعب أدوارا مركبة في السينما الأمريكية كممثل محترف في المستقبل.

ويبرز أيضا الأداء المتميز لمجموعة العراقيين ياسمين حناني، وهي ممثلة أمريكية محترفة من أصل عراقي سبق لها التمثيل في عدد من الأفلام الأمريكية، وفلاح فلايح وآية عباس ودريد غايب وغيرهم من اللاجئين العراقيين في الأردن (حيث جرى تصوير الفيلم) .

وقد مر هؤلاء بتجارب حقيقية في فقدان أحبائهم وأهلهم، وشهدوا الأحداث الدامية فلجاوا إلى الأردن والذاكرة لا تزال حية تمتلئ بالذكريات.

وقد قاموا جميعا بالتعبير عن مشاعرهم التي لا تزال تتأجج من وقع الأحداث المأساوية التي انعكست عليهم فجعلتها حاضرة في العقل والقلب والبال.

إن فيلم "معركة حديثة" رغم اي ملاحظات أو تحفظاتن يعبتر أقوى وأهم ما ظهر حتى الآن من أفلام عن الدور الأمريكي في العراق، ولا شك انه يفتح جرحا سيصيب مشاهديه بالصدمة والألم.

هذا الفيلم لم تبدأ عروضه العامة في بريطانيا بعد، وينتظر أن يعرض قريبا في دور العرض السينمائي قبل عرضه على شاشة القناة التليفزيونية الرابعة التي مولت إنتاجه في تجربة شديدة الجرأة والشجاعة.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com