المهرجان شهد عرض 29 عملا للمرة الأولى في العالم
|
كان الرأي السائد هو أن المهرجانات السينمائية التي تقام في العواصم والمدن الكبيرة عموما، ليست هي المهرجانات الأكثر نجاحا. والأسباب كثيرة ومعروفة، منها على سبيل المثال الازدحام الشديد وصعوبة الحركة وغياب أجواء الاسترخاء والقدرة على الاستمتاع.
ولعل الدليل البارز على ذلك يتمثل في غياب مهرجان كبير عن العاصمة الفرنسية باريس مثلا، رغم ما يقام في فرنسا سنويا من مئات المهرجانات.
كانت مهرجانات المنتجعات والمدن الصغرى الأكثر حميمية، هي الأكثر نجاحا وتألقا مثل مهرجانات كان وفينيسيا وكارلو فيفاري ولوكارنو وصندانس.. وغيرها، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو مهرجان برلين، ثم موسكو الذي عاد ففقد بريقه وأهميته بعد انهيار النظام الاشتراكي.
في إيطاليا اليوم تيار في أوساط الثقافة السينمائية يتوجه نحو إعادة إحياء دور روما، العاصمة الإيطالية وأقدم المدن الأوروبية، وتسويقها باعتبارها الأكثر جاذبية لاحتضان المهرجانات السينمائية الكبيرة التي تقدم للعالم باسم إيطاليا والسينما الإيطالية، كبديل عن فينيسيا التي يقام فيها البينالي الدولي للفنون منذ أكثر من قرن (تأسس عام 1895) وضمنه مهرجان السينما (الموسترا) الذي يعد الأقدم بين كل مهرجانات العالم السينمائية.
طبيعة المنافسة
ولاشك أن هناك منافسة شرسة تدور منذ فترة، بين أنصار فينيسيا وأنصار روما.
يريد الطرف الثاني أن يسحب البساط على ساحة السينما على الأقل، من أنصار مهرجان فينيسيا، الذي يرون أنه أصيب بالكهولة وأصبح غير قادر على منافسة مهرجان كان، خصوصا مع بقاء المهرجان طوال تاريخه كله في جزيرة "ليدو" محدودة المساحة، والتي لا يوجد فيها أي افق لتوسع عمراني يضيف إلى الخدمات الضيقة المحدودة التي تتمتع بها.
هناك مثلا مشكلة الفنادق التي تستضيف السينمائيين والإعلاميين وهي فنادق محدودة، ترتفع أسعارها عاما بعد عام، بمعدل خرافي رغم تدني مستواها.
اجتذب المهرجان حوالي 33 ألف متفرج على مدى ستة ايام
|
وهناك أيضا مشكلة المطاعم والمقاهي (المحدودة العدد والمساحة)، والطابع العام للجزيرة كمصيف ترتاده الأسر من الطبقة الوسطى التي فقدت تدريجيا اهتمامها بالمهرجان بعد أن أصبحت الأفلام تبث ليلا ونهارا عبر شبكات التليفزيون المتعددة في إيطاليا.
وقد أدت هذه العوامل إلى انسحاب أعداد كبيرة من الصحفيين وتراجع الكثير من السينمائيين عن الذهاب إلى فينيسيا، وخصوصا بعد أن جعلت التدابير الأمنية من المنطقة التي يقام فيها المهرجان ساحة مغلقة أشبه بالقلاع المسلحة.
وأصبح من المستحيل أن يشاهد الجمهور نجوم السينما وهم يسيرون في الشارع الرئيسي أمام قصر المهرجان كما كان الأمر في الماضي، قبل بروز ذلك الهاجس الأمني المخيف، وانتشار المتاريس ونقاط التفتيش في وجه الداخل والخارج.
في العام الماضي نجح أنصاراستعادة أمجاد عاصمة السينما الأوروبية طيلة الخمسينيات والسيتينيات، في إقامة الدورة الأولى من مهرجان روما السينمائي، بإمكانيات مادية هائلة، ساهم في توفير قسط كبير منها رجال الأعمال وشركات الإنتاج السينمائي.
مهرجان الخيال التليفزيوني
افتتح المهرجان في قاعة بقصر تابع للفاتيكان
|
أما هذا العام فقد نجحت جهود عدد من الوزارات هي الخارجية، والفنون والثقافة، والإعلام، والتنمية الاقتصادية، والتجارة الدولية تحت إشراف مباشر من مجلس الوزراء الإيطالي، وبرئاسة شرفية لرئيس الوزراء رومانو برودي نفسه، بالتعاون مع السلطات المحلية: الإدارية والثقافية، في إقامة أول مهرجان في روما لدراما التليفزيون وأكبر هذه المهرجانات في العالم.
وقد أطلقوا على هذا المهرجان "مهرجان روما للخيال". وأقيمت الدورة الأولى من المهرجان الكبير في الفترة من 2 إلى 8 يوليو/ تموز الجاري، وشهدت عرض 140 منتجا من أفلام التليفزيون، والمسلسلات القصيرة والطويلة.
من بين هذه الأعمال 29 عملا عرضت للمرة الأولى في العالم، منها المسلسل الجديد "الحرب والسلام" (عن رواية تولستوي الشهيرة) من إنتاج التليفزيون الإيطالي، بميزانية بلغت أكثر من 40 مليون دولار، ومشاركة طاقم من الممثلين العالميين.
وأعلنت لجنة المهرجان أنها تلقت ما يبلغ توقيت عرضه 3000 ساعة من الأعمال التليفزيونية (منها طبعا ما هو مصور بالكاميرا السينمائية)، اختارت منها 1700 ساعة للعرض في المهرجان، شملت الـ 140 عملا التي عرضت داخل وخارج المسابقة.
وأقيم المهرجان في الضفة اليمنى لنهر التيبر، في المنطقة الساحرة التي تقع بين الفاتيكان وقلعة سانت أنجلو الشهيرة.
وقد أتيحت الفرصة أمام كاتب هذه السطور لحضور الدورة الأولى من المهرجان للاستمتاع بعروضه، وتكوين رأي واضح فيما يتعلق بما يسمى بـ "أفلام التليفزيون" تحديدا، والفرق بينها وبين الأفلام السينمائية، وهل يمكن لمهرجان يعرض ما هو متاح للعالم أن يشاهده عبر الشاشة الصغيرة، أن يتمكن رغم هذا، من جذب الجمهور.
وكانت النتيجة مثيرة حقا، والاستنتاجات التي خرج بها المرء، بعد تأمل عشرات الأعمال، جديرة بأن تعرض على القراء خلال سلسلة المقالات التي آمل أن تنشر تباعا.
عرض المهرجان 1700 ساعة من المواد الدرامية والأفلام والمسلسلات
|
أقسام المهرجان
تكون المهرجان من 5 أقسام هي:
"قسم العروض الأولى في العالم- خارج المنافسة (أفلام ومسلسلات) وشمل عرض 8 أعمال منها "كارافاجيو" الايطالي (الافتتاح)، و"قضية بن بركة" الفرنسي، و"الحرب والسلام"، و"مفقود" الأمريكي.
قسم العروض الخاصة: وشمل عرض 5 أعمال منها الفيلم الأول "القلادة" (ضمن سلسلة أفلام بعنوان "من عند موباسان") لأشهر مخرجي فرنسا كلود شابرول، و"الحب في مقهى الورود" (فرنسا) و"أساتذة الخيال العلمي" (أمريكا).
"مسابقة الخيال الإيطالي: وشمل عرض 16 عملا من إنتاج قنوات التليفزيون الإيطالي منها "الناصرية" (درامي في 200 دقيقة على حلقتين عما تعرضت له البعثة العسكرية الإيطالية في العراق)، و"الحب والحرب"، و"العائلة المقدسة".
"
المسابقة الدولية لأفلام التليفزيون: شملت عرض 15 فيلما من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا وإيطاليا وإيران. واعتبرت هذه المسابقة الواجهة الرئيسية للمهرجان، وتميزت بالمستوى الفني الرفيع لمعظم الأفلام المشاركة فيها.
"
مسابقة المسلسلات القصيرة: عرض فيها 13 مسلسلا يتراوح عدد حلقاتها من حلقتين إلى 8 حلقات. وقد تميز منها المسلسل الأمريكي "طريق أكتوبر" (في حلقتين كل منهما 50 دقيقة)، و"الكندي "حصان طروادة" (حلقتان، توقيت كل منهما 86 دقيقة).
"
مسابقة المسلسلات الطويلة: وهذه يتجاوز عدد حلقاتها 10 حلقات وقد تمتد في أفلام منفصلة إلى عدد كبير قد لا ينتهي خلال حياتنا (مثل "عقول إجرامية" Criminal Minds الأمريكي مثلا). وقد عرض منها 18 عملا، منها "مسجد صغير في المروج" من كندا، و"تحت النصل" من إيران، و"الجناح الغربي" من أمريكا.
"
قسم الدراما التسجيلية docudrama وعرضت خلاله 8 أعمال (خارج المسابقة) منها "ليلة الفيضان الكبير" من ألمانيا، و"قتل مدى الحياة" من إسرائيل، و"مأساة في مجتمع الأميش" من أمريكا.
"
من الأفلام البريطانية المثيرة التي عضرت في المهرجان فيلم "الدخيل"
|
تكريم المخرجة الألمانية الكبيرة مرجريتا فون تروتا وهي إحدى رائدات حركة السينما الألمانية الجديدة في السبعينيات (مع فاسبندر وفيم فندرز وهرتزوج) وهي تقيم وتعمل منذ سنوات في إيطاليا. وقد عرض لها 5 أفلام أخرجتها للتليفزيون.
"
قسم خاص بعنوان"الكوميديا البريطانية" شهد عرض 15 عملا تليفزيونيا معظمها من إنتاج تليفزيون البي بي سي، ومنها "بريطانيا الصغيرة" وبلدة البابا" و"عصبة الرجال" The League of Gentlemen.
"
عروض تاريخية من الماضي (ريتروسبكتيف) شملت عرض 18 عملا من إنتاج التليفزيون الإيطالي من الخمسينيات إلى 2002، معظمها عن روايات روسية شهيرة مثل "أنا كارنينا" لتولستوي، و"الآباء والأبناء" لإيفان تورجنيف، و"الجريمة والعقاب" لديستويفسكي.
دعم الإنتاج
لم يكتف مهرجان روما للخيال بالعروض المتنوعة بل أسس أيضا أرضية لدعم الإنتاج المتميز الذي لا يجد أصحابه فرصة كبيرة داخل بلادهم، فأسس ما يعد "ورشة" لتسويق السيناريوهات والأفكار، تنافس فيها عدد كبير من المخرجين من ايطاليا واليونان وألبانيا وإسرائيل وبريطانيا وكندا وأمريكا وألمانيا وفرنسا.
هذه الورشة ساهمت في تقديم المشاريع إلى المنتجين والموزعين لاختيار أفضل المشاريع ودعم إنتاجها أو استكمال ما بدأه أصحابها أو شراء حقوق التوزيع وغير ذلك من أشكال الدعم على غرار ما بدأه مهرجان روتردام منذ تأسيسه في عام 1982.
وقد فازت بالدعم في هذا التنافس الإنتاجي ثلاثة مشاريع من إيطاليا وإسرائيل والولايات المتحدة.
لجان تحكيم وجوائز
مناقشات كثيرة شهدها المهرجان حول دعم الأعمال الجديدة للمخرجين
|
وقد ابتكر المهرجان نوعا جديدا من لجان التحكيم (4 مسابقات)، فقد جعل عضويتها تطوعية من أفراد الجمهور، يتم اختيارهم مسبقا عن طريق مسابقة مفتوحة عبر شبكة الانترنت، على أن يرأس كل لجنة من هذه اللجان شخص من أهل المهنة أي محترف.
وقد منحت اللجان الأربعة جوائز "ماكسيمو" لأفضل عمل تليفزيوني وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل ممثلة وأفضل سيناريو في كل قسم من الأقسام الأربعة.
ومنحت لجنة مكونة من كل رؤساء اللجان الأربعة جائزة ماكسيمو الماسية (الجائزة الكبرى للمهرجان) لأفضل عمل تليفزيوني عرض في كل المسابقات. وفاز بهذه الجائزة الفيلم البريطاني "آباء مثاليون" Perfect Parents .
وفاز الفيلم نفسه أيضا بجائزة أحسن عمل في مسابقة أفلام التليفزيون، كما حصل بطله الممثل كريستوفر اكلسليستون على جائزة أحسن ممثل، وحصل الفيلم على جائزة السيناريو في نفس المسابقة.
وفاز مسلسل "مسجد صغير في المروج" الكندي بجائزة أحسن عمل تليفزيوني في مسابقة المسلسلات القصيرة، كما فاز المخرج محمد رضا هونارماند بجائزة أحسن إخراج عن مسلسل "تحت حد النصل" الإيراني، وفاز بطله بارفيز باراستوي بجائزة أحسن ممثل.
الممثلة البريطانية هيلين ميرين حصلت على جائزة أحسن ممثلة عن دورها في مسلسل "المشتبه الأول" Prime Suspect الذي حصل أيضا على جائزة أحسن سيناريو.
ومنح المهرجان تكريما خاصا للممثل الفرنسي الكبير جان كلود بريالي الذي توفي في 30 مايو/ أيار (عن 74 سنة)، والذي اختتم حياته بأدائه العظيم في فيلم "مسيو ماكس" الذي عرض في مسابقة أفلام التليفزيون، وهو وغيره من الأعمال التي سنتناولها بالتفصيل في مقالات قادمة.
بقى أن نذكر أن الجمهور الذي تردد على المهرجان خلال 6 ايام بلغ 33 ألف شخص، وشارك في المهرجان 2700 ضيف منهم 600 صحفي وناقد.
هل نجح مهرجان روما الأول للخيال؟ الإجابة بالتفصيل عن هذا السؤال لا تكون إلا من مناقشة الأعمال البارزة التي عرضت فيه، أي في مواضيع قادمة.