"عبور التراب" أحد أفلام الطريق، أي تلك الافلام التي تدور معظم مشاهدها على الطرق
|
ربما يكون من أهم ميزات مهرجان روتردام السينمائي الذي انتهى مؤخرا، أنه يعرض لجمهوره الأفلام من الغرب والشرق، بغض النظر عن بلد الإنتاج، دون أن يعير اهتماما كبيرا إلى جنسية المخرج وما إذا كان طويل الباع في الإخراج أم مبتدئا.
ومن الأفلام التي عرضت في الدورة الأخيرة لمهرجان روتردام فيلمان يعبران عن الرؤية الكردية، إذا جاز التعبير، للماضي والحاضر، على كلا الجهتين من الحدود: العراقية والإيرانية: فيلم "عبور التراب" من الجانب الكردي العراقي، وفيلم "نصف القمر" من الجانب الكردي الإيراني. وسنقتصر هنا على تناول العمل الأول، على أن نعود لتناول الثاني فيما بعد.
نقد الماضي
منذ سقوط النظام السابق في العراق ومؤسسات الإنتاج السينمائي في الغرب ترحب بأي فكرة لإنتاج فيلم من أفلام "نقد الماضي" المألوفة في سينما العالم الثالث بوجه خاص بسبب غياب حرية التعبير.
أما فيما يتعلق بالعراق خاصة، فلم تكن حرية التعبير فقط غائبة، بل اختفى إنتاج الأفلام تماما من قائمة النظام السابق خلال السنوات العشر الأخيرة من عمره على الأقل، بعد أن غادر معظم المشتغلين بالسينما من مخرجين وممثلين وفنيين، العراق للعيش في المنفى.
المؤسسات الغربية (شركات الإنتاج والتمويل والخدمات والمهرجانات السينمائية ومؤسسات التوزيع ومحطات التليفزيون) أصبحت الآن ترحب بأي فكرة تهيل التراب على الماضي في العراق، ولو باسم "عبور التراب"!
هذا التوجه هو سلاح ذو حدين، فهو من ناحية يتيح الفرصة أمام السينمائيين العراقيين للتعبير عن مواهبهم السينمائية، لكنه من ناحية أخرى، يبدو كما لو كان يطالبهم أيضا بالعزف على أوتار بعينها، ربما يراها الغربيون أقرب التصورات الشائعة في الإعلام عن الوضع العراقي و"المشكلة" العراقية.
ولا شك أن النظام السابق في العراق اضطهد الأقليات (بل والأكثريات) العرقية والدينية، بل وتعرض الشعب العراقي كله في زمن صدام والبعث لقمع مخيف، ولأسباب سياسية وأيديولوجية عديدة زال عنها الآن كل غموض.
ولا شك أن رغبة الأقليات والطوائف والفرق المختلفة في التعبيرعن نفسها في السينما، أمر مشروع تماما ويندرج في صميم حقوق الإنسان.
نقد الماضي
غير أن هناك فرقا بين التعبير بغرض استلهام العبر والدروس من الماضي للانطلاق إلى المستقبل، وبين اجترار المرارات وتكريسها بغرض أن يبقى الماضي قائما، يغذي الأحقاد والانقسامات، ويحول بين الإنسان والإنطلاق إلى المستقبل.
ما بيدو غير مبرر في هذا الفيلم هو تصوير صانع الفيلم للمعاناة الكردية عموما من خلال التجربة الخاصة التي يصورها بالطبع، باعتبارها منبتة الصلة عن المعاناة العامة لسائر العراقيين وهو ما يضعف قضية الفيلم.
وهذا هو تحديدا ما انتهى إليه المخرج شوكت أمين كوركي في فيلمه "عبور التراب" الذي شهده أخيرا جمهور مهرجان روتردام السينمائي.
المخرج شوكت من مواليد كردستان العراق عام 1973. فر مع أسرته إلى إيران عام 1975، وعاد إلى كردستان عام 1999. وقد عرف كمخرج للأفلام القصيرة التي أخرجها للتليفزيون الكردستاني. ونجح أخيرا في إنتاج وإخراج فيلمه الروائي الأول وهو "عبور التراب" الذي صور بأكمله في العراق.
فيلم طريق
ويعتبر"عبور التراب" أحد أفلام الطريق، أي تلك الافلام التي تدور معظم مشاهدها على الطرق، وهو نوع من الأفلام يوفر عادة مساحة درامية ممتدة مليئة بشتى الاحتمالات، إلا أن المحك هنا يتعلق بمدى نجاح المخرج في السيطرة على الأحداث وعدم الانسياق وراء الاستطرادات والثرثرة وهو ما وقع فيه هذا الفيلم.
والدا الصبي التائه يبحثان عنه حتى لدى القوات الأمريكية
|
تدور أحداث الفيلم أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما أعقبه من سقوط النظام، وانتشار الفوضى والتوتر والعنف في شتى أرجاء البلاد.
شاب ورجل (زاد ورشيد) من مقاتلي البشمرجة الكردية في العراق، يحملان عددا من الأواني المليئة بالطعام لتوصيلها بشاحنة صغيرة إلى معسكر للمقاتلين الأكراد، لكنهما لا يصلان أبدا إلى مقصدهما.
"زاد" فقد شقيقه في حلبجة التي ضربها النظام السابق بالغازات السامة. أما "رشيد" ففقد ساقه خلال حملة الأنفال المعروفة ضد الأكراد العراقيين.
وبينما لا يتكلم "زاد" اللغة العربية لأنه ببساطة لم يتعلمها، يرفض رشيد الحديث بها رغم إجادته لها. فالأول يعبر عن جيل جديد عاش معظم سنوات حياته في إطار "المناطق الآمنة" في الشمال، التي تتمتع بنوع من الحكم الذاتي، وانفصلت بشكل ما عن نظام صدام منذ 1991.
اما الثاني، فقد عاش تجربة الماضي (البعث والعراق الموحد ولو بالقهر)، ولذلك فهو يرفض الحديث بلغة فرضت عليه فرضا لأنه يجدها تتناقض مع خصوصية هويته التي تعرضت للقمع.
الحيلة الدرامية
أما الحيلة الدرامية المحورية في الفيلم فتتلخص في طفل في العاشرة من عمره، ضل طريقه إلى منزل أسرته وسط القصف الجوي، يعثر عليه زاد على الطريق فيصطحبه لمساعدته، لكنه طفل من العراقيين العرب (السنة) بل ويدعى أيضا "صدام".
والسبب يعود كما نعرف، إلى أن النظام السابق كان يدفع مكافأة مالية جيدة لكل أسرة تطلق اسم صدام على ابن لها.
رشيد ذو الساق الصناعية (حصاد تجربة القهر البعثي)، يعترض اعتراضا شديدا على اصطحاب الفتى "صدام"، فهو يحقد حقدا شديدا على العرب السنة لأنه يربط بينهم وبين نظام صدام الذي اكتوى بناره، ويعبر عن ذلك بوضوح سواء في رفضه اصطحاب الفتى أو رفض الحديث إليه بالعربية ورفض تقديم الطعام أو الماء له بل وضربه ايضا بغلظة.
أما زاد الذي يبدو أكثر تحررا من الماضي، فهو يتمتع بروح المرح والدعابة والمشاعر الإنسانية، بل ويبدو أكثر استرخاء من رشيد رغم أنه هو الذي يقود السيارة وسط القصف والانفجارات.
"زاد" يصر على اصطحاب الطفل وتوصيله إلى أسرته، ويؤدي اهتمامه الزائد بالأمر إلى سرقة الشاحنة، ثم العثور عليها، واستمرار محاولات إعادة الطفل إلى ذويه.
يرفض شيخ مسجد (سني) استلام الطفل ويطلب منهما تركه في شأنه لكي يواصل ترتيل القرآن، ويرفض جنود المارينز استلامه لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون به، ويصبح "صدام" الصبي الضائع المنبوذ، كالقدر: يراه "زاد" نوعا من دعابة القدر (صدام طفل عديم الحيلة، فقير جائع، ضل طريقه).
نساء احدى القرى يبكين ابناءهن الذين قتلوا بأدي النظام السابق
|
لعنة الماضي
أما رشيد فيجده لعنة من لعنات القدر ويردد طيلة الوقت أنه نوع من اللعنة أو "النحس" وطالما هو معهما فلن يصلا أبدا إلى هدفهما. السيارة تسرق، وعندما يعثران عليها، يضلان الطريق.
والده ووالدته يبحثان عنه في كل مكان بلا جدوى. مجموعة من المفارقات المفتعلة تحول بينهما وبين العثور عليه رغم أنه يكون على بعد خطوات عدة منهما، مع رشيد وزاد.
اثنان من الميليشيا التي عرفت بـ "فدائيو صدام" تتربص بمقاتلي البشمرجة، ويتحايلان بالتنكر في زي والد ووالدة الطفل ثم يطلقان النار فيقتلان زاد ويلتقطان الصبي.
غير أنهما يتلقيان أوامر بالتخلي عن الصبي والعودة لوحدتهما على الفور، فيتركان الصبي في عرض الطريق.
وفي النهاية، نرى رشيد يقود الشاحنة بعد أن وضع فوقها جثمان رفيقه، يشاهد الطفل على قارعة الطريق، يتوقف ويلتقطه، هو الذي لم يكن يطيق وجوده.
إذن فقد تخلى العراقيون "العرب" عن ابنهم بفظاظة وقسوة، بينما التقطه الكردي الذي تغلب حسه الإنساني الكبير الكامن على مرارته الشخصية أخيرا وقرر أن ألا يتخلى عن "صدام" الطفل حتى ولو كان يكره اسمه!
مبالغات وحشو
هذه الرؤية رغم استنادها - كما يذكر الفيلم في مقدمته- إلى وقائع حقيقية- إلا أنها قدمت في سياق يمتلئ بالمبالغات والحشو والاستطرادات والثرثرة والإطالة وافتعال بعض المشاهد لخلق انطباع معين لدى مشاهدي الفيلم من الغربيين بوجه خاص.
هناك على سبيل المثال ذلك المشهد الذي نرى فيه سكان احدى القرى من الشيعة والمسيحيين (الذين يتقدمهم قس) يبحثون عن ذويهم المدفونين في قبور جماعية (لم تكن تلك القضية قد اثيرت بعد في ذلك الوقت أثناء الغزو!).
ورغم ما نراه عبر الفيلم من مشاهد للقصف والدمار في القرى الموجودة على الطريق، ومظاهر الوجود العسكري الأمريكي في العراق، والفوضى التي خلقها الغزو، إلا أن الفيلم يميل إلى التركيز على "خصوصية" المعاناة في عزل عن السياق العام، كما أشرنا وهو ما يجعله عملا اقرب إلى الخواطر الشخصية منه إلى الرؤية السينمائية التي يمكن أن ترسخ في الذاكرة وتصمد للزمن.