Skip to main contentAccess keys helpA-Z index
BBCArabic.com
آخر تحديث: الأربعاء 19 أكتوبر 2005 10:17 GMT
"البستاني المخلص" يفتتح مهرجان لندن السينمائي


أمير العمري
بي بي سي - لندن

من فيلم "البستاني المخلص"
فيلم الافتتاح "البستاني المخلص" من الإنتاج البريطاني

افتتحت مساء الأربعاء الدورة التاسعة والأربعون من مهرجان لندن السينمائي

وكان هذا المهرجان الذي يعد حدثا ثقافيا كبيرا في بريطانيا، قد تأسس عام 1956 على أيدي مجموعة صغيرة العدد من نقاد السينما وعشاقها.

ومن المنتظر أن يعرض خلال أسبوعي المهرجان (من 19 أكتوبر/ تشرين الأول إلى 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، حوالي 180 فيلما روائيا طويلا، تعرض على شاشات 13 قاعة للعرض السينمائي في أرجاء مدينة لندن.

وإضافة إلى الأفلام الروائية الطويلة يعرض المهرجان عددا من الأفلام التسجيلية والقصيرة وأفلام التحريك (الرسوم) والفيديو والأفلام الكلاسيكية التي تم ترميمها أخيرا واستعادت تألقها القديم.

فيلم الافتتاح

وقد افتتح المهرجان بحضور عدد كبير من نجوم السينما من بريطانيا والعالم.

وكان فيلم الافتتاح فهو فيلم "البستاني المخلص" The Constant Gardner وهو فيلم حديث من الإنتاج البريطاني، إلا أنه يجسد التعددية الثقافية والانفتاح الكبير على الثقافات الأخرى الذي اصبح سمة أساسية في إنتاج الأفلام.

"البستاني المخلص" من إخراج البرازيلي فرناندو ميريليس، الذي اكتسب شهرة عالمية قبل ثلاث سنوات عندما قدم للعالم فيلم "مدينة الله" City of Good الذي حصل على عشرات الجوائز الدولية.

وكتب سيناريو الفيلم الكاتب الإنجليزي جيفري كين، عن رواية للكاتب البريطاني الشهير جون لوكاريه صاحب الأعمال الشهيرة في أدب الجاسوسية مثل :الجاسوس الذي جاء من الصقيع" و"نداء للموتى: و"بلدة صغيرة في ألمانيا" و"منزل روسيا" و"خياط من بنما".

واستعان المخرج ميليس بمدير تصويره المفضل سيزار شارلون (من أوروجواي) الذي تعاون معه لمدة 15 عاما.

وقامت المونتيرة الأمريكية كلير سمبسون بعمل المونتاج للفيلم، وهي التي سبق أن تعاونت مع المخرج الشهير أوليفر ستون في ثلاثة من أفلامه.

وكتب موسيقى الفيلم الموسيقار الأسباني ألبرتو إيجليسياس المعروف لدى جمهور السينما في العالم بفضل تعاونه مع المخرج الأسباني الشهير بيدرو ألمودوفار في 5 من أفلامه.

ويقوم بأدوار البطولة في "البستاني المخلص" الممثل رالف فينيس (بطل "المريض الإنجليزي" و"قائمة شندلر")، والممثلة راشيل فايتز (المومياء وعودة المومياء).

رواية لوكاريه التي يدور معظم أحداثها في أفريقيا، تتحول على يدي المخرج البرازيلي إلى عمل فني كبير يتجاوز كثيرا الإطار الضيق لفيلم الإثارة البوليسي.

العقدة الأساسية أو "الحبكة" قد تبدو تقليدية، فهي تدور حول جريمة قتل، وما يعقبها من "تحقيق" لا يقوم به ضابط شرطة بل زوج القتيلة نفسه، غير أن هذا الإطار ليس إلا وسيلة لاستدراج المتفرج داخل بنية أكثر تعقيدا ومعاصرة.

قصة حب

يستند الموضوع أولا على قصة حب بين دبلوماسي بريطاني خجول (جوستين كويل) يعمل في الصفوف الخلفية للقنصلية البريطانية في كينيا، وفتاة جريئة من نشطاء جماعات حقوق الإنسان (تدعى تيسا).

يتزوج الاثنان في ظروف غريبة: حب من أول نظرة وعرض من الفتاة على الشاب الخجول أن يتزوجها ويأخذها معه إلى أفريقيا).

هل كان في الأمر خدعة؟ لا أحد يعرف بل ولا يطرح السؤال نفسه إلا فيما بعد خلال مسار الفيلم.

في كينيا تبدأ الفتاة بحثها الشاق بمساعدة عدد من الأفارقة في موضوع يلفت نظرها يتعلق بتجارب غامضة تجريها احتكارات أوروبية وأمريكية كبيرة في مجال تجارة الأدوية.

وتدريجيا تكتشف "تيسا" أن هناك مجموعة من رجال الصفوة - منهم عدد من كبار الدبلوماسيين البريطانيين- متورطين مع شركات الأدوية في التستر على أنشطة وتجارب للأدوية، تجرى على السكان الأفارقة وتؤدي إلى موت عشرات الآلاف منهم، مقابل عشرات الملايين من الدولارات.

جريمة قتل
لقطة من فيلم "البستاني المخلص"
براعة الممثلين الرئيسيين في فيلم "البستاني المخلص" من أهم العوامل الفنية في نجاحه

النتيجة أن تفقد "تيسا" حياتها في جريمة قتل مروعة مع مساعدها وهو طبيب أفريقي. وتلق الشبهات على مساعد آخر من السكان المحليين، وتبدأ الأقاويل والإشاعات عن علاقات "تيسا" العاطفية وخيانتها لزوجها. ويكاد الأمر يستقر عند حدود أن ما وقع لا يخرج عن نطاق "جريمة عاطفية".

غير أن الزوج لا يصدق الأقاويل التي تتردد، ويرفض أن يترك الأمر لرؤسائه في المفوضية البريطانية العليا، ويقرر أن يستكمل بنفسه ما بدأته زوجته، ويكتشف خلال بحثه العنيد، كم يحب زوجته الراحلة وكم كانت تملأ حياته.

يتعرض للكثير من التهديدات والإغراءات، لكنه يجد نفسه مدفوعا دفعا نحو المواجهة: وهي في الحقيقة مواجهة من الآخرين بهدف كشف الحقيقة، ومواجهة مع الذات بهدف إعادة اكتشافها واكتشاف مناطق القوة فيها مقابل الخجل والضعف والتردد.

سياق متداخل

ولا يروي المخرج البرازيلي قصة فيلمه في السياق الدرامي السهل المألوف بل في سياق متعرج تتداخل فيه الأرقام والإحصائيات (التعليمية الطابع) مع الملامح التسجيلية للبيئة الأفريقية التي يبرز فيها ذلك التناقض المخيف: بين الطبيعة الخلابة وتفشي الفقر والأمراض الفتاكة وتآمر الشركات الاحتكارية الدولية مع الحكومات المحلية.

ويمتزج الموضوع الرومانسي العاطفي الناعم، بالقلق الشخصي الداخلي لدى الشخصية الرئيسية، بالقضايا الكبرى في عصرنا: كيف تنتهك أفريقيا من الخارج: أي من الغرب تحديدا، ومن الداخل أي من حكامها الضالعين في لعبة الشركات متعددة الجنسيات.

هنا - كما هي العادة في مثل هذا النوع من الأفلام والروايات - بطلة أوروبية بيضاء، تموت ويعقبها بطل أوروبي أبيض، يرفض الانصياع للقوة الدافعة لأبناء جلدته ورفاقه: أي المصلحة بل ويندفع في اتجاه معاكس تماما لكي يكشف ويفضح عفن المؤسسة في أعلا مستوياتها.

هذه الرؤية الليبرالية النمطية لمثقفي الطبقة الوسطى كان يمكن أن تصبح تكرارا لما شاهدناه من قبل في عشرات الأفلام الأوروبية والأمريكية (من بينها "اصرخي للحرية" Cry Freedom للمخرج ريتشارد أتنبره، أو "هل يحترق المسيسبي؟" Is Mississppi Burning للمخرج ألان باركر).

لمسة من العالم الثالث

إلا أن المخرج البرازيلي الذي كان تدخله واضحا في السيناريو - كما يروي كاتبه- تجاوز تلك النظرة النمطية ونجح في صنع أحد الأعمال الفنية المؤثرة التي تعيد اكتشاف البيئة الأفريقية فتجعلنا نشعر كما لو كنا نشاهدها للمرة الأولى.

هنا تقترب الكاميرا (التي يجعلها مهتزة محمولة على الكتف) في لقطات قريبة متنوعة ومتعددة لعشرات الوجوه. ولا يقتصر الأمر على الاستعراض السريع بل هناك شخصيات رئيسية من بين الأفريقيين أنفسهم، تتحدث بلسان أفريقيا وتعبر عن مأساتها المستمرة: يقول الطبيب: "لقد أصبح دور شركات الأدوية في أفريقيا أكبر كثيرا من دور احتكارات الأسلحة".

ولا يتستر الفيلم على الداخل الأفريقي، أي على السلطات الحاكمة، بل يدينها بقوة ويفضح علاقاتها الخفية مع القوى الغربية والاحتكارات الأجنبية وتآمرها ضد أبناء شعبها مقابل حماية امتيازاتها.

ولعل من أهم العناصر الفنية التي تضفي جاذبية خاصة على هذا الفيلم إلى جانب التصوير والمونتاج الذي ينجح في خلق إيقاع سريع متدفق دون أن يفلت شيئا من التفاصيل أو يقفز عليها، الأداء التمثيلي الرفيع للممثلين جميعا وفي مقدمتهم رالف فينيس في دور جوستين كويل الذي يصر على أن يكمل ما بدأته زوجته، فنراه يتحرك وينظر ويتكلم كما لو كان مدفوعا بقوة داخلية غامضة تسوقه إلى أقداره.

وربما يكون أهم ما يميز "البستاني المخلص" رؤيته الإنسانية المعاصرة التي تُقدم في سياق لا يجعل القضية الأساسية تتوه وتضل داخل التفاصيل أو في سياق السرد، ونجاحه في تحقيق ذلك التوازن الدقيق بين الهم الشخصي والهموم الجماعية، أي بين الفردي والجمعي، وهو توازن يميز عادة أعمال الفن الكبرى.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com
 

خدمات تقدمها لكم bbcarabic.com