Skip to main contentAccess keys helpA-Z index
BBCArabic.com
آخر تحديث: السبت 17 سبتمبر 2005 06:09 GMT
قمة الأمم المتحدة: تحديات، مصالح ومآرب
اقرأ أيضا
لماذا تستهدف الأمم المتحدة؟
20 08 03 |  الصفحة الرئيسية

مواقع بي بي سي متصلة بالموضوع

مواقع خارجية متصلة بالموضوع
بي بي سي ليست مسؤولة عن محتويات المواقع الخارجية


توفيق محمد السهلي
بي بي سي أرابيك دوت كوم - لندن

رغم اتفاق القادة في ختام القمة على إعلان مشترك يتضمن ضوابط جديدة لحقوق الإنسان والحماية من التطهير العرقي إلا أن الكثير من النقاد يرى أن الكثير من توصيات إصلاح الأمم المتحدة ذاتها قد تم تمييعها وخفضت من فاعليتها ومستواها إلى مستوى يصفه البعض بمستوى البيانات الصحفية التي تخرج عن اجتماعات مثل اجتماعات القمة العربية.

الجمعية العام للأمم المتحدة
قادة العالم جاؤوا، اختلفوا، وخرجوا

وحتى قبل أن تبدأ القمة سادت خلافات لم تنجح ثلاثة أسابيع من الاجتماعات التمهيدية لدول العالم المشاركة في تذليلها بشكل كامل تمهيدا لتوقيع مسودة اتفاق تتبناه القمة.

سبع قضايا رئيسية ركزت عليها المفاوضات حول مسودة تمهيدية قبل القمة ،أظهرت الوثيقة الختامية للقمة استمرار وجود خلافات بشأنها:

  • مكافحة الإرهاب.

  • تأسيس "مجلس للحقوق الإنسان" بصلاحيات كبيرة

  • ليحل مكان "مفوضية حقوق الإنسان" التي تعرض أداؤها لانتقادات واسعة.

  • إقامة"مفوضية لبناء السلام لمساعدة الدول الخارجة من أتون الصراعات والحروب.

  • تحديد مسؤوليات جديدة للحكومات بخصوص حماية المدنيين من خطر التطهيرالعرقي وجرائم الحرب.

  • نزع التسلح وحظر انتشار الأسلحة النووية.

  • إصلاح إدارة الأمم المتحدة.

  • اتخاذ خطوات لتعزيز التنمية في العالم ومكافحة الفقر والمرض. وبالطبع هناك قضايا أخرى تمت مناقشتها منها تغير المناخ والتجارة وتوسيع مجلس الأمن الدولي وغيرها .

    وتعود المسودة المؤلفة من 39 صفحة -والتي كانت موضع نقاش ومداولات مكثفة منذ 3 أسابيع قبل القمة-أصلا لتوصيات وضعها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في آذار-مارس الماضي في أعقاب صدور عدد من التقارير الرئيسية للأمم المتحدة حول إصلاح الهيئة الدولية ومكافحة الفقر. ومن حينها تبدلت وتحورت إلى مسودات مختلفة متتابعة إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي.

    الأمين العام كوفي عنان حاول أن يلعب لعبة الساحر الذي يضع وصفة سحرية توازن بين التناقضات وتجمع الأضداد في بوتقة واحد كحل وسط: مصالح الدول الفقيرة إلى جانب مصالح الدول الغنية، والموازنة ما بين مكافحة الفقر العالمي ومحاربة الإرهاب في الوقت الذي يتم فيه العمل من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان، والعمل على درء أي أعمال تطهير عرقي مستقبلية على نمط ما حصل في راوندا واعتبار أي إرهاب موجه ضد المدنيين خروجا عن القانون.

    لعبة تبادل اللوم في التسبب في أي إخفاق بدأت حتى قبل افتتاح القمة رسميا بين فريقين: فالدول الغنية تتهم الفقيرة بإعاقة الإصلاحات الرئيسية بينما تتهم تلك الدول بدورها الدول َ الغنية بإنها تحاول اللعب بخشونة لكي تفرض إرادتها.

    الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان
    أقر عنان أن نتائج القمة قد خيبت آماله

    ففي قضية الإرهاب على سبيل المثال تم إسقاط تعريف مقترح مثير للجدل للإرهاب يشير إليه باعتباره "القتل المتعمد للمدنيين". كذلك لم يضمِّن المفاوضون اللغة التي من شأنها أن تصون حق المقاومة للرازحين تحت نير الاحتلال الأجنبي، وهو ما اقترحه العرب ودعمته دول عديدة منها باكستان.

    وخلال القمة وتأكيدا على قضية مكافحة الإرهاب تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع -وبتمثيل رؤساء ووزراء خارجية الدول الخمس عشرة الأعضاء في المجلس - قرارا باعتبار التحريض على الإرهاب خروجا عن القانون.

    استخدام القوة

    ومن الاقتراحات المثيرة للجدل كان اقتراح دعمته الولايات المتحدة الأمريكية يدعو لاستخدام القوة في حال إخفاق الجهود السياسية وفشل السلطات المحلية في حماية الناس من التطهير العرقي.

    وبناء على الاقتراح تدعو واشنطن إلى " عمل جماعي" في حال فشل الوسائل السلمية وإخفاق السلطات المحلية في حماية السكان من التطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما يدعو الإقتراح إلى تقديم مساعدة للدول لمحاربة مثل هذه الجرائم ومساعدة تلك الدول التي " ما تزال في حالة " توتر وتململ" قبل حصول الأزمة وقبل اندلاع الصراعات".

    بعض الدول النامية ومنها الدول العربية أبدت تحفظا على هذا المقترح باعتباره سيكون الستار الذي يغطي قيام دول كبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها- باعتبارها أكبر قوة عالمية وربما القطب الأوحد للقوة في العالم حاليا- لإيجاد الذرائع للتدخلا ت العسكرية المباشرة في شؤون الدول الداخلية وربما شن حروب كبيرة ضدها أوحتى احتلال أراضيها- في إشارة إلى وضع السودان، خصوصا في ضوء أزمة لإقليم دارفور والاتهامات الأمريكية والغربية له بالتغاضي عن جرائم الحرب المرتكبة هناك.

    وقد اغتنمت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة فرصة انعقاد القمة لتركز على ملف نزع التسلح وحظر انتشار الأسلحة النووية ولاسيما ما يتعلق بدولتين اثنتين تحديدا هما من الدول التي صنفتها واشنطن على قائمة "دول محور الشر" : إيران وكوريا الشمالية.

    وقد حاولت "كونداليزا رايس" وزيرة الخارجية الأمريكية خلال القمة أن تستغلها القمة لممارسة ضغوط دولية على إيران بشكل خاص لاستئناف التفاوض حول برنامجها النووي.

    وبالفعل بذلت رايس جهودا حثيثة على هامش اجتماعات القمة لإقناع الدول ال 35 التي تشكل مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لأقناعهم بتبني موقف واشنطن الداعي إلى إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي تمهيدا لفرض عقوبات دولية على طهران في حال لم تتخل طهران عن كافة أنشطة تخصيب اليورانيوم، وهي تقنية قد تفضي إلى إنتاج وقود نووي أو أسلحة نووية.

    الرئيس الباكستاني برفيز مشرف
    مشرف أثنى على قرار شارون بالانسحاب من غزة واصفا إياه بالشجاع

    لكن جهود رايس لم تتكلل بالنجاح وأقرت في النهاية بأنها لم تجمع القدر الكافي من التأييد لإحالة الملف إلى مجلس الأمن مما دفع رايس للقول بعدها "إن الأمر ليس ملحا إلى هذه الدرجة ،وإن واشنطن ستواصل العمل على هذه القضية".

    لكن الرئيس الأمريكي جورج بوش نجح في أن يحصل على تعهد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما بأنه "لا ينبغي أن تصبح إيران قوة نووية بأي حال من الأحوال". وبلغت الثقة بالرئيس بوش أن قال في المؤتمر الصحفي مع بوتين "إنه واثق من أن ملف إيران سيحال إلى مجلس الأمن الدولي إذا لم تف بتعهداتها الدولية".

    وإذا عدنا بضعة أيام إلى الوراء سنجد أن "رايس" كانت قد مهدت للحملة الأمريكية ضد إيران في القمة بمطالبة كل من الصين وروسيا تأييد موقف والولايات المتحدة الداعي إلى تحويل ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي وفرض عقوبات دولية عليها، وهو ما لاقى ردا فاترا لاسيما من البلدين.

    وقد انعقدت القمة بعد أيام قلائل من إعلان وزير الخارجية الإيراني أن بلاده لن تعود إلى تعليق أنشطتها النووية بأي شكل من الأشكال، وذلك بعد وصول المفاوضات بين إيران وكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا التي تمثل الاتحاد الأوربي حول ملفها النووي إلى طريق مسدود.

    الرئيس الإيراني "محمد أحمدي نجاد" الذي حضر قمة العالم بدا أنه أراد أن ينحني للعاصفة حتى لا ينكسر فلعب لعبة كان يعرف أنها ستثير حفيظة الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة حين أعرب خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على هامش القمة أن بلاده مستعدة لنقل التقنية النووية إلى الدول الإسلامية للأغراض السلمية.

    وبعدها كان لقاؤه مع وزراء خارجية "ترويكا" المفاوضات النووية الأوربيين حيث أعطاهم انطباعا باستعداد إيران لمواصلة المفاوضات.

    لا أستطيع أن أخفي خيبة أملنا العميقة لاخفاقنا في هذه القمة في الاتفاق على جميع العناصر اللازمة لجعلها عملية
    بول مارتان-رئيس الوزراء الكندي

    وكان أحمدي نجاد قد استبق حضوره للقمة بالتأكيد أن "الحصول على الطاقة النووية حق لجميع الدول ولا ينبغي أن تكون حكرا على دول معينة دون غيرها، وأن على الأمم المتحدة أن تكون منظمة تحمي مصالح جميع الدول وليس مصالح دولة أو مجموعة بعينها من الدول."

    وقد سعت واشنطن أمام القمة أيضا إلى الدفع لتحقيق هدفين في الشرق الأوسط، أولهما يتعلق بسورية والثاني بتعلق بملف السلام الفلسطيني الإسرائيلي.

    فخلال القمة عقد الوفد الأمريكي إلى القمة لقاءات مع عدد من الزعماء العرب والأوربيين بغية ممارسة ضغوط على سوريا ل"كف يدها عن لبنان". وهذا يأتي بالتزامن مع مهمة فريق خاص مكلف من مجلس الأمن الدولي بقيادة المحقق الألماني "ديتليف ميليس" بالتحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في شباط فبراير الماضي.

    وكانت الإدارة الأمريكية قد وطـّأت لهذه الضغوط التي مارستها خلال القمة وبالتزامن معها بتصريحات للرئيس الأمريكي جورج بوش خلال لقائه بالرئيس العراقي المؤقت( الكردي) جلال الطالباني قبل يوم من القمة هدد فيها بفرض عقوبات إضافية على سورية إذا " لم توقف تدخلها السياسي والأمني في لبنان" وإذا لم تمنع المسلحين من العبور إلى العراق لقتال القوات الأمريكية.

    كما جاءت القمة بعد يومين من تهديد أمريكي آخر مباشر جاء هذه المرة على لسان السفير الأمريكي في العراق -الأفغاني الأصل- زلماي خليل زاد- باستخدام القوة العسكرية ضد سورية إذا لم تعمل على وقف تدفق المسلحين من أراضيها إلى العراق-وهو أمر تكرر دمشق نفيه وتؤكد أنها تبذل قصارى جهدها على جانبها من الحدود وتقول إنها ليست مسؤولة عن حماية "قوات الإحتلال" على الجانب العراقي من الحدود.

    نجم القمة

    وعلى الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي سعت واشنطن لدفع الجانبين للاستفادة من زخم الانسحاب الإسرائيلي الأخير من قطاع غزة للتحرك نحو العودة إلى مفاوضات السلام والسعي لإقامة دولة فلسطينية.

    وهنا غني عن القول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي حضر اجتماعات القمة وجد فيها فرصة ذهبية لتبييض صورة إسرائيل وتلميعها بعد عشرات القرارات الدولية التي تبنتها هيئة الأمم المتحدة ضد إٍسرائيل على مدار السنين منذ إنشاء الدولة العبرية على أرض "فلسطين التاريخية" عام 1948.

    فما أبعد الأمس عن اليوم، حيث انهمرت عشرات الطلبات التي تقدم بها زعماء العالم لمقابلة رئيس الوزراء شارون خلال وجوده في نيويورك لدرجة أن مساعدي شارون قالوا قبل القمة إن " مقره لن يكون قادرا على استيعاب هذا الكم الهائل من القادة".

    الرئيسان الإيراني أحمدي نجاد إلى اليمين والفنزويلي هوغو تشافيز إلى اليسار
    الرئيسان الإيراني والفنزويلي كانا مدركين لمدى حجم الضغوط الأمريكية في القمة

    وبالفعل فحكومة" البلدوزر"( لقب لشارون في إسرائيل إشارة إلى تشدده ) بدأت تجني أولى ثمار قرارها بالإنسحاب من قطاع غزة المحتل. حيث بدأ الدفء يعود بقوة للعلاقات بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوربي كما ظهرت بوادر على علاقات مستقبلية مع دول إسلامية.

    وحدث ما توقعه كثيرون بانعقاد لقاءات بين شارون وزعماء دول عربية وإسلامية حيث التقى شارون بالرئيس الباكستاني برويز مشرف على هامش القمة بعد مصافحات حارة بين المسؤوليْن. وجاء هذا اللقاء في نيويورك بعد أول لقاء علني من نوعه بين وزيري خارجية إسرائيل وباكستان مؤخرا في اسطنبول التركية بمبادرة من الرئيس الباكستاني برفيز مشرف.

    لكن ورغم أن مشرف كان قد ربط بين المضي قدما إلى حد إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في المستقبل باتخاذ إسرائيل خطوات محسوسة نحو بناء دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل، إلا أن ذلك لن يمنع مسؤولي إسرائيل وباكستان من مواصلة مثل هذه اللقاءات وربما تطويرها.

    وحتى جلال الطالباني الرئيس العراقي المؤقت والذي كان يتحدث في واشنطن في مركز يموله رجل الأعمال الإسرائيلي "حاييم سابان"( حسبما أوردت وكالة أسوشييتديد برس للأنباء)، ورغم قوله إنه "لا وجود لحالة عداء نحو إسرائيل في العراق" ، إلا أنه اشترط التوصل إلى اتفاق سلام فلسطيني إسرائيل كمتطلب أساسي يسبق أي علاقات دبلوماسية بين إٍسرائيل والعراق.

    كما لم يكن مفاجئا للمراقبين أن يعقد وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم لقاء مع نظيره القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني على هامش القمة.

    وقد ذهب الأمر بوزير الخارجية القطري أن حث من على منبر ما يسمى" مجلس العلاقات الخارجية" ومقره نيويورك- في معرض ترحيبه الحار بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة- الدول العربية على "تطوير اتصالات مع إسرائيل بهدف الترويج للسلام.".

    سيكون شارون نجم القمة
    داني غيليرمان-سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة

    ومضى الوزير القطري أبعد من ذلك حين قال إنه يمكن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل قبل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وقال للصحفيين قبل توجهه للقاء شالوم:" يمكن لذلك أن يحدث، لكننا بحاجة أن نرى جدولا زمنيا لكيفية بدئنا للعملية السلمية وكيف لنا أن ننتهي."

    كما أورد التلفزيون الإسرائيلي أيضا أن شالوم التقى على هامش القمة العالمية أيضا وزير خارجية أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث تعداد السكان ،ألا وهي إندونيسية!.

    وربما تكشف الأسابيع والأشهر القادمة أن لقاءات سرية قد حصلت وراء كواليس القمة بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين من دول عربية أو إسلامية ليس بينها وبين إسرائيل علاقات دبلوماسية أو اتصالات علنية.

    وأمام ما كان المسؤولون يعرفونه عن اللقاءات التي ستجري في أروقة الأمم المتحدة لم يتواني السفير الإسرائيلي "داني غيليرمان" عن القول: " إن شارون سيكون نجم القمة".

    حصان طروادة والمحافظون الجدد

    وإذا عدنا إلى قضية إصلاح الأمم المتحدة التي طرحت في اجتماع القمة سنجد أن مما يثير الإهتمام أن "جون بولتون" سفير الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية والذي عين منذ فترة قصيرة قد اقترح المئات من التعديلات على الوثيقة التي وضعها عنان وصفها البعض بأنها إنما ترمي إلى تحطيم ما بقي من الهيئة الدولية وإلباسها ثوبا أمريكي الهوى والقالب في التعامل مع قضايا العالم بما يكفل فرض إرادة أميريكا في مآل الأمر.

    رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون
    أرييل شارون كان بنظر بعض المراقبين أحد نجوم القمة

    وهذا وما يؤكده " سكوت ريتر" -وهو رئيس سابق لفرق التفتيش الدولية عن أسلحة الدمار الشامل في العراق- حيث ذكر في مقابلة صحفية في نيسان أبريل الماضي مع مجلة "تروث أوت" أن مصدرا رفيعا من المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية أخبره بشكل مباشر أن" مهمة جون بولتون هي تدمير الأمم المتحدة، ومهمة "رايس" تدمير وزارة الخارجية واستبدالها بمطيّة تسهل تنفيذ سياسة الأمن القومي للبنتاغون."

    ويمكن التدليل على ذلك بإصرار الرئيس الأمريكي جورج بوش- الذي يتمتع "المحافظون الجدد" بنفوذ هائل في إدارته- على تعيين جون بولتون في هذا المنصب الدولي الهام رغم مواقفه العدائية المعلنة في السابق اتجاه الأمم المتحدة ودوره كأحد صقور السياسة الأمريكية المتشددة في الدفع نحو شن حرب على العراق، حيث يعرف أنه من مدرسة المحافظين الجدد التي ما برح المتخوفون والمعارضون لها يقولون إنها تريد أن تفرض رؤيتها المتشددة في إدارة السياسة الأمنية والخارجية الأمريكية والمتمثلة في الهيمنة المطلقة لمصالح الولايات المتحدة كقوة أوحد على هذا الكوكب دون اعتبار للآخرين.

    مطالب الأمريكيين بزيادة الصلاحيات الإدارية والتنفيذية المعطاة إلى الأمين العام للأمم المتحدة-وهو حاليا كوفي عنان- في إطار اقتراحات الإصلاح التي اقترحها بولتون- تبدو مثيرة للإهتمام وحتى الدهشة إذا رجعنا للوراء قليلا وأخذنا في الإعتبار أن إدارة بوش عارضت في البداية إعادة ترشيح عنان لولاية جديدة في منصبه كأمين عام للمنظمة الدولية ثم عادت وتخلت عن معارضتها تلك. فما عساه يكون السبب يا ترى؟.

    صِـدام

    إذا عدنا للوراء قليلا نجد أن الولايات المتحدة ما انفكت تتبنى مواقف قد تفسر على أنها سعى لإضعاف منصب الأمين العام من خلال اتخاذ مواقف غير مساندة له بل وتعريضه للمساءلة كما كان بالنسبة للأمين العام السابق حول أحداث التطهير العرقي في إفريقية والمذابح ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، وصولا إلى التحقيق في عهد عنان في فضيحة برنامج النفط مقابل الغذاء -الذي كان معمولا به في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين- وهو التحقيق الذي أطاح باثنين من مساعدي عنان السابقين في الأمم المتحدة، وإن كان قد برأ عنان من التورط بشكل مباشر، لكنه أبرز مسؤوليته عن" تقصيرات" إدارية اعترف بها عنان نفسه.

    وإذا رجعنا أكثر إلى الوراء سنتذكر أن كوفي عنان عارض قيام الولايات المتحدة وحليفاتها الرئيسية ولاسيما بريطانيا بغزو العراق دون غطاء الشرعية الدولية.

    فما السر في التناقض في المواقف بين الأمس واليوم، بين ما ينظر اليه على أنه سعي لإضعاف الأمين العام في السابق والسعي لتقوية صلاحياته الإدارية والتنفيذية اليوم.؟

    قد تبدو الاقتراحات الأمريكية الجديدة أقرب ما تكون بحصان طروادة الذي تسعى من خلالها واشنطن ومن ورائها المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية إلى تمرير وفرض إرادتها على المجتمع الدولي دون مقاومة تذكر وبأكبر قدر من الغطاء الدولي لمثل تلك الإرادة.

    مهمة جون بولتون هي تدمير الأمم المتحدة، ومهمة "رايس" تدمير وزارة الخارجية واستبدالها بمطيّة تسهل تنفيذ سياسة الأمن القومي للبنتاغون."
    سكوت ريتر-مسؤول تفتيش عن أسلحة دمار شامل في العراق سابقا

    يرى بعض المراقبين أن موافقة واشنطن على إبقاء أمين عام ضعيف نسبيا من جهة وزيادة صلاحياته من جهة -وهو أمر قد يبدو متناقضا للوهلة الأولى- يصب في صالحها كقوة عظمى حيث أن تركيز آلية صنع القرار في المنظمة الدولية وتنفيذه ومتابعته في شخص واحد بدلا من تبعثره على هيئات مختلفة كالجمعية العامة سيجعل من الأسهل عليها التأثير كيفما تريد في دفع الأمين العام نحو تبني السياسة التي ترتأيها حيال أي صراعات دولية أو قضايا عالمية مهمة دون مقاومة تذكر ،وهو ما يمكن أن يصب في صالح أهداف المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية فيما يعرف ب"الفوضى البناءة" حيث يتحول المحفل الدولي إلى ساحة لحلول عرجاء عجفاء لا تخرج بما يسمن.

    ويؤكد هؤلاء على صحة شكوكهم تلك بأنه رغم الاتفاق خلال القمة على وثيقة التوصيات الخاصة بالإصلاحات، إلا أنها جاءت نسخة ممسوخة دون مستوى التوصيات الأصلية وذلك بسبب تعديلات جون بولتون التي اعتبرها مراقبون تعديلات تخريبية، وانتقدها وأدانها زعماء حضروا القمة مثل الرئيس الفنزويللي "هوغو تشافيز" الذي وصفها بأنها "غير شرعية وأنها فرض لسيطرة الدول الكبرى على الصغرى."

    ويدلل مراقبون على مبدأ المحافظين الجدد " الفوضى البناءة" بما يحصل في العراق خصوصا وما تبيته واشنطن للشرق الأوسط الكبير عموما تحت شعار نشر الديموقراطية وإقصاء أنظمة الحكم الاستبدادية- فهذا المصطلح الأمريكي يعني تفكيك ما هو قائم وإعادة بنائه بما يوافق مصالح ورؤى الولايات المتحدة الأمريكية، كما يقول الكاتب والصحفي "جوشوا مارشال"(الكاتب في عدد من المجلات والصحف مثل مجلة"واشنطن الشهرية" البوستون غلوب والفاينانشيال تايمز ولوس أنجلس تايمز ونيويورك تايمز وغيرها.)

    الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزرة خارجيته رايس ومندوبه في الأمم المتحدة بولتون
    الإدارة الأمريكية سعت إقناع القادة بتبني اقتراحاتها حول إصلاح الأمم المتحدة

    وكان جون بولتون نفسه قد صرح قبل تسلمه منصبه كمندوب لبلاده في الأمم المتحدة عندما كان مساعدا لوزير الخارجية الأمريكية في فبراير شباط الماضي أمام مسؤولين إسرائيليين أن الولايات المتحدة وبعد "هزيمة العراق سوف تعمد إلى" التعامل مع" إيران وسورية وكورية الشمالية.

    وكما كان متوقعا وخلال كلمة الرئيس الأمريكي في أول أيام القمة سعى بوش إلى الترويج لرؤية إدارته أمام القادة لكي يشاركوه في العمل على " نشر الديموقراطية " في كل مكان في العالم حتى في " أصعب الأمكنة استقبالا لهذه الديموقراطية".

    وقبل هذه القمة لم يكن بوش يفوت أي فرصة ليؤكد مقولته بأن الولايات المتحدة ستعمل على نشر الديموقراطية وإزالة الأنظمة الديكتاتورية من أرجاء العالم ، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط التي يسميها أحيانا " الشرق الأوسط الكبير" في إشارة إلى ما يتخوف منه نقاد الإدارة الأمريكية وهو سعيها لتغيير خارطة الشرق الأوسط ب"تفكيك أطرها القديمة وإعادة بنائها وفق الرؤية الأمريكية ، ويدللون على ذلك بما يجري حاليا في العراق بعد إٍسقاط نظام الرئيس صدام حسين وإقامة نظام جديد.

    وهذه الفكر كان يرشح من حين لآخر في كتابات صحفيين أمريكيين محسوبين على تيار المحافظين الجدد مثل "جيفري بيل" الذي كتب يقول في مجلة ال" ويكلي ستاندرد" في آب-أغسطس الماضي:" إن الإدارة (الأمريكية) تفكر في حرب عالمية بين الولايات المتحدة وجناح سياسي للتشدد الإسلامي..حرب من الاتساع والحجم والقوة بحيث يجب أن ينظر إلى غزو العراق أو إلى إلقاء القبض على قادة القاعدة البارزين على أنها مجرد أحداث تكتيكية في إطار سلسلة من الخطوات والخطوات المضادة التي تمتد عميقا في المستقبل".




  • -----------------
    مواقعنا بلغات أخرى
    Middle East News
    BBC Afrique
    BBCMundo.com
    BBCPersian.com
    BBCSomali.com
     

    خدمات تقدمها لكم bbcarabic.com


    الصفحة الرئيسية | الشرق الأوسط | أخبار العالم | علوم وتكنولوجيا | اقتصاد وأعمال | أخبار الرياضة | الصحف البريطانية | شارك برأيك
    بالفيديو والصور | تقارير خاصة | تعليم الإنجليزية | برامجنا الإذاعية | استقبال البث | شراكة وتعاون | نحن وموقعنا | اتصل بنا | مساعدة