الانسحاب من غزة سار بهدوء أكثر مما كان متوقعا
|
يسير الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بصورة أسرع وأهدأ مما كانت تأمل الحكومة الإسرائيلية.
فقد تمكن الجيش والشرطة من وضع خطة حاذقة ومفصلة أثبتت حتى الآن نجاحها.
وتتوقف عملية الإجلاء في الوقت الراهن احتراما لعطلة السبت اليهودية التي تبدأ مع غروب شمس الجمعة وحتى غروب شمس السبت.
وعندما يستأنف الجنود مهمتهم سيتعين عليهم إخلاء بعض المستوطنات في القطاع لكنهم إذا واصلوا مهمتهم بالمعدل الذي يسيرون عليه حاليا، فمن المتوقع أن يكون قطاع غزة خاليا من المستوطنين بحلول منتصف الأسبوع المقبل.
مخاوف من السلاح
وقد حلت اللحظة الحرجة في تلك المهمة بعد ظهر الخميس عندما تعين على الجنود إخلاء كنيسين في مستوطنتي نيفيه ديكاليم وكفار داروم.
الخطوة المقبلة ستحددها تصرفات الجانبين
|
عبر الإذاعة والتليفزيون تابع الإسرائيليون ما كان يجري في المستوطنتين على الهواء مباشرة، كان بعض الصور قبيحا: رجال يتم إخراجهم عنوة وهم يصرخون ويركلون الجنود، أطفال يبكون ويلتصقون بأمهاتهم.
وقد اجتاحت قوات الأمن سطح الكنيس في كفار داروم حيث كان يعتصم المحتجون الشبان، وهاجموا القوات بمواد الطلاء والزيت والرمال، ومن المؤكد أن المشهد كان يمكن أن يصبح أكثر سوءا.
فمعظم المستوطنين البالغين في تلك المستوطنة يحملون السلاح، وكان الكابوس الذي تخشاه الحكومة الإسرائيلية هو أن يقدم أحدهم على إطلاق الرصاص.
لكن لم يتحقق هذا الهاجس حتى الآن، ورغم أنه لا يزال واردا، فإن الحكومة الإسرائيلية وقواها الأمنية تشعر بنوع من الراحة.
محادثات
كان كل من الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين يعملون ضمن حدود خاصة بهم، وربما لم يتم ذلك إلا عن طريق اتفاق ضمني بات واضحا خلال عملية إخلاء مئات المحتجين في نيفيه ديكاليم التي كان من المتوقع أن تكون أصعب الخطوات.
وقد امتلأت الصحف الإسرائيلية قبيل العملية بالتنبؤات المتشائمة بشأن ما يمكن أن يحدث وما هدد به المستوطنون مرارا من أنهم لن يتعاونوا.
لكن عندما حانت لحظة التنفيذ كان بعض المستوطنين يتحدثون مع الجنود، وقام رجال يرتدون قمصانا برتقالية يحمل كل منهم لقب "حاخام" بدور الوسيط بين الشرطة والمحتجين، كان الوسطاء يوزعون المياه على المستوطنين الغاضبين ويهدئون أعصابهم إذا تملكهم الغضب.
والمرجح أن قوات الأمن هي التي زودت الحاخامات بتلك القمصان وأنهم قاموا بدور الوساطة بناء على موافقة مسبقة.
وقد منح المدنيون الإسرائيليون فرصة للاحتجاج في بعض المستوطنات لكن تعين عليهم أن يرحلوا بعد ذلك في هدوء.
في مستوطنة موراخ ذات السمعة المتشددة رأيت أحد زعماء المستوطنة يخوض محادثة حادة مع اثنين من ضباط الشرطة، كانت ذراع كل منهم على كتف الآخر، كأنهما رياضيان في لحظة تشاور قبل خوض مباراة حاسمة.
ماذا بعد؟
في صبيحة يوم السبت المشمس في القدس، قال لي إسرائيلي كان يجلس في إحدى الساحات إن الانسحاب من غزة يمكن أن يصبح نقطة تحول في تاريخ الصراع أو مجرد هامش في صفحة عابرة. وما يحدث لاحقا سوف يحدد ذلك.
فلو نجحت إسرائيل في تخفيف قبضة احتلالها الحديدي على الضفة الغربية، ولو تمكن رئيس السلطة الفلسطينية من كبح جماح المسلحين، لربما اًصبح في وسع الجانبين العودة مجددا إلى طاولة المفاوضات.
لن يقود ما حدث في غزة بحد ذاته إلى السلام، فإسرائيل لا تزال تسيطر على الحدود والمياه والأجواء الإقليمية للقطاع.
لكنها المرة الأولى التي يتصدى فيها زعيم إسرائيلي للمستوطنين، ويأمل الإسرائيليون الذين يعتقدون أن مستوطنات الضفة الغربية عقبة مكلفة في طريق السلام، أن يكون شارون قد خلق دينامية سياسية لا تتوقف بتلك الخطوة.
لكن الفلسطينيين الذين يتابعون مستوطنات الضفة الغربية وهي تزداد اتساعا، يشعرون بالتشاؤم.
ومع ذلك فقد حدث تقدم ما لم يكن موجودا قبل أسبوع واحد، ربما لا يكون مثاليا، لكنه تقدم على أية حال.