تم آخر تحديث في الساعة 14:05 بتوقيت جرينتش الإثنين 19/05/2003
الشيعة في العراق بين الدين والسياسة
مرقد الحسين يؤمه المسلمون الشيعة من داخل العراق وخارجه
أعادت المتغيرات الأخيرة في العراق الضوء إلى طائفة الشيعة التي تشير التقديرات إلى أنها تشكل ما بين 55 إلى 60 في المئة من مجموع السكان المسلمين، وتسود جنوب البلاد والفرات الأوسط مع انتشار متباين في بغداد ومناطق أخرى شمالها. وغاب عن الذهن في أحيان كثيرة أن الشيعة، كسكان، ليسوا حركة سياسية متجانسة أو شبه متجانسة، فهم كغيرهم من الطوائف والأديان موزعون بين فئات وطبقات وتوجهات وانتماءات مختلفة.
الأحداث المرتبطة بالتاريخ الشيعي في العراق
كما لا يعني مجرد الانتماء إلى الطائفة الشيعية أو غيرها مؤشرا إلى هوية سياسية محددة، ولم يكن الدور السياسي الذي اضطلع فيه الشيعة في تاريخ العراق الحديث ذا جذر طائفي بحت بقدر ما هو دور وطني عام غير منعزل عن نشاط الطوائف والملل الأخرى. إلا أن الإسلام الشيعي، في إطاره العام، اصطبغ بصبغة سياسية بسبب الأحداث التي أحاطت بنشأته والمسار الذي اتخذته تلك الأحداث في الفترات اللاحقة من تاريخ الدولة الإسلامية. وفي حالة العراق ينضاف عامل الحيف الذي وقع على الطائفة الشيعية في أعقاب بناء الدولة الحديثة. تاريخ التشيع في حين أن تاريخ بدء التشيع أمر مختلف عليه بين المؤرخين والفقهاء، إلا أنهم يتفقون على أن الجزيرة العربية هي مكان انطلاقه. وهناك من الفقهاء من يرجع التشيع إلى عهد الرسول محمد (ص)، ويرون أنه نشأ على يد صحابة دعوا إلى إمامة علي بن أبي طالب، ويقولون إن بعض قبائل العرب التي شايعت الإمام علي وصلت إلى العراق أيام الفتوحات الإسلامية واستوطنت في المناطق المحاذية للكوفة.
مرقد الإمام علي في النجف
أما في إيران فقد اتسع نطاق التشيع أيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر الميلادي، بعد أن كان محصورا في مناطق محددة. الشيعة والعراق للوجود الشيعي ارتباط عضوي بالعراق ، بسبب أن الأحداث الجسيمة التي كونت تاريخه وبلورت هوية أتباعه وقعت على هذه الأرض. لكن لهذا الوجود امتدادات في دول أخرى وخصوصا إيران التي شكلت فيها مدينة قم مركزا رديفا للنجف العراقية وبديلا عنها في ظروف معينة. وبقدر تعلق الأمر بواقعة كربلاء فإنها تمثل منعطفا هاما في تحديد المنحى الذي سارت عليه طقوس الطائفة الشيعية التي اتخذت طابعا فجائعيا. وتمارس لا كل عام فحسب بل في معظم المناسبات الدينية التاريخية، مما أسهم، إلى حد كبير، في تشكيل هوية الطائفة. ويروي المؤرخون أن الإمام الحسين توجه مع رهط من صحبه وأهله إلى الكوفة قادما من الحجاز عام 680 للميلاد للمطالبة باستعادة الخلافة، التي تولاها يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه. ووجد الحسين نفسه مجردا إلا من نفر قليل من أنصاره في مواجهة قوة منظمة يقودها والي يزيد في البصرة والكوفة، الأمر الذي اضطره إلى مواصلة السير باتجاه كربلاء حيث حوصر ومنع الماء عنه، ومن ثم قتل وأسر الأطفال والنساء من أهله ومن بين من أسر ابنه، علي زين العابدين، الإمام الرابع لدى الشيعة.
مدن وعتبات
طقوس الشيعة بدأت عادة إحياء الطقوس الشيعية في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). وتقام خلال الأيام العشرة الأولى من محرم المجالس الحسينية لاستذكار الحدث والتعبير عن الحزن بالبكاء ولطم الصدور. كما تمارس طقوس أخرى تتضمن مسرحة الحدث حيث تقدم عروض في الهواء الطلق تسمى "التشابيه" تروي أحداث واقعة كربلاء وتجسد شخوصها الرئيسيين وتحضرها أعداد غفيرة من المشاهدين. ومن بين الطقوس الأخرى ضرب الرأس وشجها بأدوات حادة واستخدام السلاسل الحديدية لضرب الكتفين، لكن هذه الطقوس محدودة ومختلف على شرعيتها من قبل علماء الشيعة أنفسهم. دوافع سياسية ولم تكن الإجراءات التي اتخذتها السلطات العراقية في السنوات الأخيرة للحد من ممارسة هذه الطقوس هي الأولى من نوعها في التاريخ، فقد جرى التضييق عليها في فترات تاريخية مختلفة. ويقول المؤرخون الشيعة إن شعائر عاشوراء منعت في بعض الحواضر إبان حكم المماليك في العراق، لكنها استأنفت في ما بعد خلال الحكم العثماني عندما وقعت الأستانة وثيقة سلام مع الإيرانيين في الربع الأول من القرن التاسع عشر. كما جرت مساع أخرى للسيطرة عليها في فترات أخرى من تاريخ العراق الحديث وخاصة في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي .
مرقد الإمام العباس في كربلاء
وزادت وطأة التضييق على ممارسة الطقوس الشيعية بعد قمع الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في العراق عام 1991 إثر هزيمة بغداد في حرب الخليج. وقد تعرض السكان إلى عمليات انتقام واسعة ونفذت القوات الحكومية عمليات قصف لم توفر حتى العتبات المقدسة. الإسلام الشيعي السياسي تعرضت الطائفة الشيعية في العراق في الحقبة الماضية إلى إجراءات سعت للحد من نفوذها لعل أهمها الحرمان من المشاركة الفعالة في الحكم. فلم يحظ الشيعة كسكان في العراق بتمثيل في المؤسسات السياسية بما يتناسب مع حجمهم. ويرجع سبب ذلك، في جانب كبير منه، إلى غياب الديمقراطية خلال فترات طويلة من تاريخ البلاد الحديث، وخاصة خلال العقود القليلة الماضية، الأمر الذي كبح إسهام الكثير من الفئات والشرائح القومية والدينية والسياسية والفكرية، وأدى في ما أدى إليه إلى أن يبدأ منحى الإسلام الشيعي السياسي بالصعود ممثلا بنشاطات رجال الدين ومجموعات سياسية منظمة. وانعكست هذه النشاطات في مسيرات احتجاجية في المدن المقدسة اعتقل على إثرها كثيرون وأعدم قادة ورجال دين كان من أبرزهم المفكر الإسلامي محمد باقر الصدر الذي يعتقد أنه اسهم في أواخر الخمسينات بتأسيس حزب الدعوة في وقت كانت الساحة السياسية تشهد نشاطا واسعا للحزب الشيوعي وأحزاب قومية. واضطلع الدعوة بنشاط بارز في السبعينات والثمانينات مما أثار غضب النظام السابق الذي أصدر قرارات تعاقب من يتهم بالانتماء إليه بالإعدام، لكن الحزب عانى في ما بعد من انشقاقات حولته إلى عدد من الأجنحة.
العتبات الشيعية لم تسلم من القصف بعد الانتفاضة
وقد تحول هذا التنظيم في الثمانينات إلى المجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية، وأصبح له في ما بعد جناح عسكري عُرف بفيلق بدر. الحوزة العلمية تأسست الحوزة العلمية في النجف في القرن الخامس الهجري ويقودها مرجع أعلى هو حاليا آية الله علي السيستاني بعد أن خلف آية الله أبو القاسم الخوئي الذي توفي عام 1992. وقد سلطت الحكومة السابقة ضغوطا كبيرة على المرجعية الشيعية تمثلت باعتقال واغتيال وقتل عدد من أبناء الأسر الكبيرة كأسرة الحكيم وأسرة آل الصدر التي قتل منها عام 1980 آية الله محمد باقر الصدر، وهو صاحب مؤلفات في الفكر الإسلامي بينها "فلسفتنا" و"اقتصادنا"، والمرجع الأعلى محمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999 بعد إصراره على إقامة صلاة الجمعة للشيعة وإمامتها في مسجد الكوفة، الأمر الذي أثار غضب النظام الحاكم حينذاك خوفا من أن تتحول إلى حافز للتمرد. وفي تاريخ العراق الحديث لعبت الحوزة، المدعومة من عشائر الجنوب والفرات الأوسط، دورا سياسيا مهما لعل أبرز معالمه ثورة العشرين التي اندلعت عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني. كما ظهر ذلك واضحا في الآونة الأخيرة حين رفعت أطراف معينة شعارات تنادي بدور سياسي قيادي للحوزة. وقد واصلت العشائر الوقوف إلى جانب الحوزة العلمية وكان آخر نشاط لها عندما هبت مؤخرا، كما أوردت الأنباء، للتدخل من أجل فك ما وصف بأنه حصار على السيستاني فرضه أنصار مقتدى الصدر، نجل آية الله صادق الصدر. ويزعم البعض أن مرجعية السيستاني اتخذت موقفا مهادنا مع النظام السابق متذرعة بمبدأ "التقية" إي اتقاء شر القوي.
سامراء حيث مرقد اثنين من الأئمة
زعامات وانقسامات وبالرغم من الخيط المشترك الذي يربط القوى الشيعية ببعضها، يدور صراع في الخفاء أحيانا وفي العلن أحيانا أخرى، مما يؤشر لانقسام بين الزعامات الشيعية بتداخل بين الاتجاهين السياسي والمرجعي. فأتباع الصدر، المرجع الأعلى السابق، يسعون إلى تبوء دور قيادي، ويتطلع مقتدى الصدر إلى الزعامة الدينية إلا أن عاملي السن والدرجة العلمية لا يؤهلانه لذلك. وقد شاع مؤخرا اشتباه بأن لهذه الجماعة علاقة بمقتل عبدالمجيد الخوئي الذي عاد إلى النجف أثناء الحرب الأخيرة، وهو نجل أبو القاسم الخوئي ورئيس المؤسسة المعروفة باسمه في لندن. وتوجد أيضا زعامة أسرة الحكيم التي تجمع بين المرجعي والسياسي فآية الله محمد باقر الحكيم زعيم لحركة سياسية هي المجلس الإسلامي الأعلى إلى جانب نشاطه العلمي الديني وخلفيته الأكاديمية، ونسب إليه إنه سيتخلى عن زعامة المجلس ويتفرغ للعمل والبحث الديني. كما أنه لم يشارك شخصيا باجتماعات قوى المعارضة بل انتدب إليها أخاه عبدالعزيز الحكيم. وفي حين يرى البعض أن الأحزاب السياسية الشيعية لا تمثل الحوزة في النجف التي يجب أن تتولى هي تمثيل الشعب، ثمة علماء دين وشخصيات دينية واجتماعية يرون ضرورة النأي بالمرجعية عن النشاط السياسي. فالفريق الأول يدعو إلى اضطلاع الحوزة بدور يمكنها من تولي القيادة السياسية، بينما يعتقد الفريق الثاني بضرورة اقتصارها على النشاط الروحي وإصدار الفتاوى الدينية إضافة إلى إشرافها على العتبات المقدسة وجباية المال من أتباعها.
|
||||||||||||||
| ارسل هذا الموضوع إلى صديق |
|