رأي: سبتمبر والعربموقف الأمريكيين العرب من أحداث سبتمبر
تحليلخاسرون ورابحون من هجوم سبتمبر
معنا أم علينا؟ردود فعل على هجمات سبتمبر
أخبار عالمية |
تم آخر تحديث في الساعة 16:52 بتوقيت جرينتش الأربعاء 11/09/2002
مراسلونا يتذكرون الحدثكان مشهد طائرات الركاب وهي تخترق برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك صدمة للجميع، ولم يستثن أصحاب مهنة البحث عن المتاعب ممن اعتادوا تغطية الحروب والكوارث. والسطور التالية يصف فيها زملاؤنا مراسلو بي بي سي في طهران، وبيروت، والقاهرة، وغزة، وعمان، وصنعاء، كيف عرفوا بالحدث، وذكرياتهم عن الساعات والأيام الأولى:بيروت - ندى عبد الصمد: كنت في ذلك الشهر قد بدأت دورة تدريبية في مقر الاذاعة في لندن. وكنت في ذلك اليوم أساعد في إعداد برامج فجر اليوم التالي. كانت صالة التحرير هادئة، وكان مسار العمل عاديا، إلى أن خرقته صيحة دهشة من الزميلة هالة صالح لخبر عاجل، مفاده أن طائرة اصطدمت بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. لحظات واستنفر واقفا زميلي خليل فهمي الذي كان يومها مخرج أحد البرامج الإخبارية، استدار نحوي وقال كمن يفكر بصوت عال "دول مجانين طائرة ضلت طريقها واصطدمت بمركز التجارة العالمي". وقفت واتجهت معه إلى اقرب شاشة على المكتب المقابل، مشاهد الدخان وكلام عن توقعات اولية، ثم الاصطدام الثاني، وما رافقه من صيحات قد أكون شاركت فيها، وبعدها سقوط البرجين الواحد تلو الاخر، اذكر أنني في تلك اللحظات كنت استدير لأتحسس ردات الفعل الأخرى محاولة منى للتأكد من أن ما أراه صحيحا وليس ضربا من هلوسة. بعدها دخل المكتب في ما يشبه فوضى الارتباك في حدث من هذا النوع لم يسبق أن واجهت مثله غرفة أخبار في تاريخ الإعلام المرئي والمسموع. وبدأت الأخبار تتوالى عن وقف تحليق الطائرات في مجال لندن أيضا، لم يتملكني الخوف، لكنني فكرت للحظة أنني واحدة من الناجين من حرب استمرت عشرين عاما في لبنان، ولا أريد ان تكون لندن ساحة قلقي. كانت أخبار آلاف القتلى تسيطر علي. عدت إلى الكرسي ضائعة عن الشعور الذي تملكني عن الاهداف والماورائيات والانعكاسات. عمان - سعد حتر: كنت أقود سيارتي عصرا عندما تلقيت اتصالا هاتفيا من صديق ينبئني بخبر ارتطام طائرة ركاب تجارية بأحد برجي مركز التجارة الدولي. تلقيت النبأ باندهاش لكنني تابعت مسيري، إذ لم يكن حجم الكارثة وأبعادها وتداعياتها المستقبلية قد تغلغل في تفكيري. بعد دقائق تلقيت اتصالا آخر عن الطائرة الثانية التي هزت البرج التوأم. لحظتها أدركت خطورة الوضع وخروجه عن نواميس الطبيعة ليدخل في دائرة التدبير الإنساني. وتوالت الاتصالات من الأصدقاء والأقارب. إنه عمل إرهابي بكل تفاصيله. أخذت شوارع العاصمة الأردنية تخلو من الزحام تدريجيا إلا من بعض المارة والسيارات القليلة. لو وقعت هذه الكارثة في بلد آخر أو قبل عقد من الزمن لما تابعها الناس في بث حي ومباشر بهذه التقنية العالية والعفوية في بعض الحالات. إنها تراجيديا إنسانية توالت فصولها على الشاشة الفضية وسط دهشة وانفعال المشاهدين. وكان أمام المشاهد عشرات الخيارات فتنقل بين المحطات وسط انتشار الأطباق اللاقطة فوق أسطح المنازل، بينما كانت المأساة تتفاعل. لدى هبوط الظلام في الحادي عشر من أيلول تحولت عمان إلى مدينة أشباح، إذ تسمر غالبية سكانها أمام شاشات التلفزيون أو استمعوا إلى الإذاعات وهي تبث أولا بأول صورا حية عن انهيار البرجين. لا تزال صور الضحايا والمصابين والمسعفين تتداعى في المخيلة وقد امتزجت بين القلق والرعب وعدم التصديق كما لو أن الأمر لقطة في فيلم رعب أمريكي طويل. وتطل من الذاكرة تقاطيع وجه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش وهو يتلقى خبر الكارثة بينما كان يتحدث إلى طلبة مدارس في ولاية جنوبية. كان لا بد من العمل بسرعة لالتقاط ردود الفعل على الصعيدين الرسمي والشعبي. طائرة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني كانت قد اقتربت من الساحل الشرقي عندما وقع الزلزال، وذلك في طريقه إلى قمة أردنية أمريكية في البيت الأبيض. ومع أنه سُمح للطائرة الملكية بمواصلة الرحلة إلا أن الملك ارتأى العودة وتأجيل الزيارة إلى وقت آخر. تابعتُ من عمان الاستنكار والإدانة على الصعيد الرسمي والذهول على الصعيد الشعبي. بين هذا وذاك خرجت أصوات تحمل الإدارة الأمريكية "وسياستها الخارجية المنحازة لا سيما لصالح إسرائيل" مسؤولية ما حل بالشعب في عقر داره. في الأيام اللاحقة ألغيت عشرات الاحتفالات وحفلات الاستقبال لا سيما أنشطة السفارة الأمريكية وذلك وسط مشاعر من القلق والترقب. وهاهي المنطقة الآن بعد عام من الهجمة الجوية المبرمجة على الولايات المتحدة، تعيش القلق والترقب نفسه وسط ارتفاع أصوات طبول الحرب في واشنطن ضد الرئيس العراقي صدام حسين. إنها المرحلة الثانية من ما تصفها الإدارة الأمريكية بالحرب على الإرهاب. القاهرة - عزة محي الدين: هل يفقد الإعلاميون قدرتهم على الدهشة باستمرار العمل لسنوات طوال في متابعة أحداث وأخبار تجعل كلمات مثل "غريب" أو "مثير" كلمات في قاموس الآخر، المتلقي، وليس في قاموسهم هم. إجابتي على هذا السؤال كانت تميل إلى نعم قبل ذلك التاريخ الفاصل: أين كنت يوم الحادي عشر من سبتمبر؟ سؤال نوجهه لضيوفنا ومستمعينا، ويبدو الأمر غريبا عندما يرتد السؤال علينا.. كنت في طريقي خارجة من العمل ألملم أوراقي والقي بنظرة روتينية إلى التلفزيون عندما بدأ تتابع المشاهد.. هذا ما أقوله.. اختصر القصة واحتفظ لنفسي بتفاصيل أخرى.. منها أنني تجمدت في مكاني.. ناديت على من كانوا بقربي.. احتجت لقدر من الطاقة لكي انهض بينما تنازعني رغبة قوية في أن أحظى ببعض لحظات استعيد فيها شعور الدهشة. بدأت العمل.. اجمع ردود فعل الناس، واشعر أن الكل في حالة من عدم التصديق تحولت بعدها إلى أمر واقع.. بدأنا بالحدث ثم انقضت علينا تداعياته.. مر عام وهي تطاردنا.. اقتحمت علينا عملنا وحياتنا وهانحن نحتفل بالذكرى.. ذكرى سبتمبر، وذكرى ما تغير حولنا وفي داخلنا. غزة - فايد أبوشمالة: كان من الممكن أن لا أتذكر أيا من الأحداث التي وقعت في قطاع غزة في ذلك اليوم أو الأيام التي تبعته لولا أن قطاع غزة والمناطق الفلسطينية ارتبطت بشكل أوتوماتيكي بنيويورك وواشنطن، وسرعان ما تركزت الأنظار على المناطق الفلسطينية بعد أن تسرعت بعض وسائل الإعلام في نقل أنباء تفيد بان إحدى الفصائل الفلسطينية هي المسؤولة عن هجوم الطائرات على الولايات المتحدة . كنت في رفح بأقصى جنوب قطاع غزة في طريقي لإجراء مقابلة مع أحد الأطباء النفسيين في منزله بأحد الأحياء الشرقية للمدينة وسرعان ما تلقيت إشارة بما يحدث في نيويورك، أسرعت إلى منزل الطبيب لا لأجري المقابلة ولكن لاندفع ومن معي نحو جهاز التلفاز الخاص به أملا في رؤية المشهد الذي شاهده العالم آلاف المرات خلال عام واحد. ما زلت أتذكر علامات الذهول على وجه الرجل الذي فوجئ باندفاعنا نحو التلفاز كالمجانين وربما خطر بباله لبعض الوقت بحكم المهنة أننا مررنا "بتجربة صادمة" ، لكنه بالتأكيد تفهم ما حدث لنا أسرع بإحضار مشروب بارد. كان موضوع حوارنا المفترض هو تأثير الأحداث العنيفة التي مرت بها رفح وتدمير المنازل وتشريد ساكنيها على السكان والاطفال منهم بالذات، لكن أنظارنا لم تتحول عن شاشة التلفاز ولا أتذكر أننا أتممنا الحوار بل اعتذرنا على أمل أن نكمله في موعد آخر أسرعنا عائدين إلى غزة في شوارع شبه خالية. طهران - ياسين مجيد: لم يصدق الإيرانيون، وهم يشاهدون عبر شاشات التلفزيون ما حدث لمركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في الحادي عشر من سبتمبر. فمثل هذه الأحداث كانت تقع عادة في دول العالم الثالث ومنها إيران، التي شهدت خلال الثمانينيات، إلى جانب ويلات الحرب مع العراق، انفجارات مدوية أطاحت برؤوس عدد كبير من القيادات السياسية والدينية. امتزج التعاطف مع ضحايا الهجمات بالقلق، ففي ميدان محسني شمالي العاصمة طهران تجمع العشرات من الإيرانيين رجالا ونساء وهم يوقدون الشموع تعبيرا عن مواساتهم لعائلات الضحايا. كما أن العلاقة المشدودة بين طهران وواشنطن جعلت الكثيرين يشعرون بالقلق من احتمال أن توجه الولايات المتحدة أصابع الاتهام لإيران، على غرار ما حدث بعد انفجار أوكلاهما سيتي، والانفجار الذي دمر المركز اليهودي في العاصمة الأرجنتينية. حيث بادرت واشنطن وتل أبيب إلى اتهام طهران حتى قبل وصول فرق الإنقاذ إلى موقع الحادث. أما مصدر الشماتة فيتمثل في أن كثيرا من الإيرانيين يحمّلون الولايات المتحدة مسؤولية غالبية الأحداث التي عاشتها بلدهم، ابتداء من عمليات الاغتيال التي تعرض لها كبار المسؤولين الإيرانيين، ومرورا بالحرب العراقية الإيرانية، وانتهاء بالمقاطعة الاقتصادية والتجارية. وربما كانت الرسالة التي وجهها الرئيس محمد خاتمي إلى الشعب الأمريكي، وليس للإدارة، بعد ساعات من وقوع الهجمات والإدانة المبكرة لها قد أعادت التوازن إلى الشارع الإيراني بدرجة معينة، إذ إن الإدانة أزاحت القلق من قلوب الخائفين، كما أنها أراحت المتعاطفين مع الأمريكيين، أما الشامتون فرأوا أن الرسالة كانت متعجلة باعتبار أن واشنطن لم تبادر ولو لمرة واحدة إلى إدانة إحدى عمليات الاغتيال، حتى تلك التي راح ضحيتها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء عام 1981. وبمرور عام على أحداث سبتمبر يرى الخائفون أن قلقهم كان في محله، فقد صنفت إيران كضلع من أضلاع محور الشر، ويخشون أن الدور قد يأتي على إيران بعد توقع كسر الضلع العراقي في الحرب المحتملة. صنعاء - محمد صُدام: عندما وقعت الهجمات كنت في إجازة عائلية في إحدى الدول الأوروبية، وفي صباح ذلك اليوم، وبينما كنت خارجا من إحدى محطات قطارات الأنفاق لفت انتباهي احتشاد جموع من المارة أمام شاشات التلفزيون المعروضة في واجهات بعض المحال التجارية، ورأيت كما رأوا مشهدا لن أنساه طول حياتي، واعتقدت أنه فيلم أمريكي جديد حاز على جائزة أوسكار، لكنني عندما تيقنت من الحقيقة تملكتني مشاعر متضاربة من الذهول وعدم التصديق والاستنكار في وقت واحد، كما اعتراني شعور بالخوف من المجهول والقادم الجديد من الأحداث بعد تلك الهجمات، التي أيقنت أنها ستصب بتأثيراتها السلبية علينا عربا ومسلمين. ولأنني توقعت أن أتعرض واسرتي إلى مضايقات في تلك الدولة الأوروبية حزمت حقائبي سريعا وعدت بعد يومين إلى صنعاء. وهناك، وبسبب فروق التوقيت، اكتشفت أن اليمنيين اقبلوا في الحادي عشر من سبتمبر على تناول "القات" أكثر من المعتاد، واستمروا على هذا المنوال خلال الأسبوعين الأولين من تلك الهجمات. لقد اختلفت بالطبع مشاعر اليمنيين تجاه الأحداث. ولاحظت أن شوارع صنعاء خلت من الازدحام المعتاد لأن الكثير من الناس كانوا يحرصون على متابعة الأحداث أولا بأول، لكن الاهتمام بدأ بعد ذلك في التناقص شيئا فشيئا مع مرور الوقت.
|
| ارسل هذا الموضوع إلى صديق |
|