BBC News Sport World Service Weather A-Z Index
تم آخر تحديث في الساعة 14:55 بتوقيت جرينتش الجمعة 06/09/2002

العرب الأمريكيون وأحداث سبتمبر

د. رشدي سعيد


ليس من قبيل المبالغة القول بأن الولايات المتحدة قد تغيرت تغيرا كبيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. فقد فاجأت هذه الأحداث الأمريكيين وأفقدتهم الإحساس بالأمان الذي كان موقع بلادهم الجغرافي البعيد وقدرتها العسكرية المتفوقة تعطيانه لهم.

وأثبتت هذه الأحداث أن من الممكن لمجموعة صغيرة من الشباب بقليل من الإمكانيات والكثير من الإيمان بأيديولوجية عدوانية أن يسببوا أكبر الأضرار لمهابة واقتصاد اعتى الدول.

وقد انتهز المحافظون الجدد الذين كانوا قد تولوا شؤون الحكم بالولايات المتحدة قبل هذه الأحداث بشهور معدودة الفرصة لدعم وتأكيد برامجهم الخاصة بالأمن القومي والعلاقات الاجتماعية، وهي البرامج التي كانوا يدعون إليها في تردد كبير.

أما عن الأمن القومي، فقد زادت الأحداث من اقتناعهم بصحة نظرتهم في أن تحقيقه لا يمكن أن يتم بحماية حدود الدولة فقط، بل لابد من الهجوم المسبق على أية دولة تؤوي وتشجع أي جماعة عدوانية تجند الشباب وتتخذ من الإرهاب طريقا، حتى وإن أدى الأمر إلى احتلال هذه الدولة وتغيير نظامها وقادتها.

وتمثل هذه الدعوة انقلابا كاملا على المبادئ الأساسية التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة والأساس الذي انبنى عليه النظام العالمي الجديد والقائم على احترام مبدأ سيادة الدول ومنع التدخل في شؤونها الداخلية.

وبطبيعة الحال فإن الدول المرشحة للهجوم عليها هي تلك التي خرج منها من قاموا بأحداث سبتمبر، وكلها دول عربية أو إسلامية.

وقد انعكس هذا التوجه الجديد على الجالية العربية الأمريكية التي وجدت نفسها محل ارتياب بعد الأحداث، وبلادها الأم صارت محلا لهجوم مستمر وتهديد بشن الحرب. ودولة فلسطين التي تتمتع عند كل عربي بوضع خاص، صارت محل تصفية كاملة دون أن يثير ذلك غضب أحد.

كانت أثار هذه الأوضاع الجديدة كبيرة على الجيل الأول من المهاجرين، الذين ما كانوا يتصورون أنهم سيضطرون في يوم من الأيام للاختيار بين الولاء لبلدهم الجديد، والولاء لبلدهم الأم.

وقد عرفت الكثيرين من مهاجري الجيل الأول ممن حلوا هذا الإشكال، وقاموا بهجرة معاكسة إلى الوطن الأم، لأنهم لم يتصوروا قيام وطنهم الجديد بدخول حرب لتدمير الوطن الأم.

أما أفراد الجالية العربية من الجيل الأول ممن فضلوا البقاء في وطنهم الجديد فقد انعكست المشاكل التي جاء بها توزع ولاءهم، على أحوال الجمعية العربية الأمريكية الوحيدة التي يمتد نشاطها من المحيط إلى المحيط. وهي الجمعية العربية الأمريكية لمكافحة التمييز، والتي تمثل أكبر تجمع عربي بالولايات المتحدة.

فقد اختلفت آراء أعضاء الجمعية حول ما ينبغي أن يكون عليه موقف الجالية العربية الأمريكية حيال الأحداث غير المواتية التي تجابه العرب وأوطانهم الأم.

من جهة، حرصت فيه قيادة الجمعية على الشكل الأمريكي للجمعية وعلى دورها في تمكين العرب الأمريكيين من الدفاع عن حقوقهم المدنية، وتنظيمهم لكي يصبحوا عنصرا فاعلا في العملية السياسية الأمريكية، ومكافحة التمييز ضدهم والوقوف مع منظمات حقوق الإنسان ضد القوانين الجديدة التي استنتها حكومة الرئيس جورج دبليو بوش، والتي تعطيها حق الاعتقال دون توجيه اتهام، والتحقيق بدون حضور محام.

ومن جهة أخرى أراد عدد كبير من أعضائها أن يروا جمعيتهم تتخذ موقفا واضحا من قضايا العرب، وأن ترفع صوتها ضد العدوان على العراق وضد السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.

وفي هذا الصدد فإن قضية فلسطين هي القضية المحورية عند كل العرب، وبالأخص أبناء فلسطين والشام، الذين يمثلون الأغلبية من أعضاء الجمعية. وقد رأى عدد من قادة الجمعية أن مثل هذه المواقف ستعزل الجمعية وتقطع صلاتها مع الإدارة مما قد يعطل عملها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

ورغم اتساع نشاط الجمعية، فإن عضويتها لا تتجاوز ثلاثة آلاف من العرب الأمريكيين، الذين يبلغ عددهم أكثر من ثلاثة ونصف مليون عربي، وصل نصفهم إلى الولايات المتحدة في السنوات العشرين الماضية.

وهؤلاء ينتظمون في جمعيات صداقة أو جمعيات طائفية محلية تتمحور في معظمها حول دور العبادة التي ينتمون إليها، ولمعظمهم اهتمام خاص بمدارس الأحد التي تحاول الحفاظ على تراثهم الديني، وتتيح لأبنائهم وبناتهم فرص التعارف بغرض الزواج.

ولا يشكل العرب الأمريكيون عنصرا فاعلا في الجمعيات الإسلامية الكبرى في الولايات المتحدة، والتي تتكون من نواة من المسلمين السود، أو من مسلمي آسيا. ويندر أن تجد من بين العرب الأمريكيين من الجيل الثاني أو الثالث، واحدا في أي من هذه التنظيمات، وهو ما يعطي الانطباع بأن مشاكل التواؤم مع المجتمع الأمريكي، تخص في أغلبها الجيل الأول من المهاجرين.

وإذا أخذت عائلتي مثالا لذلك، فستجد أنه يمكن اعتبار أحفادي أمريكيين أكثر منهم عربا، وعلى الرغم من افتخارهم بخلفيتهم الحضارية وأصولهم العربية، إلا أنهم لا يجدون الكثير مما يمكنهم من التجاوب مع الحضارة العربية.

فهم وإن نطقوا العربية، لا يقرأونها. كما أنهم لا يتجاوبون مع برامج التليفزيون العربي المتاحة لهم عن طريق الأطباق أي تسلية.

وهم لا يختلفون في هذا الخصوص عن أحفاد الجاليات التي سبقتنا في الهجرة إلى الولايات المتحدة. وفي ظني أن الجزء الأكبر من الأمريكيين العرب لهم تجربة مماثلة.

ولا يستطيع واحد ممن عاشوا أحداث سبتمبر، أن ينكر أنها تسببت في موجة من العداء للعرب الأمريكيين والمسلمين. إلا أنه من الإنصاف القول بأن كثيرا من الجهد قد بذل لاحتوائها على الرغم من محاولات تيار المحافظين الجدد وأنصار إسرائيل من إزكائها.

ومن أحدث ما جرى في هذا الخصوص، صدور بيان من تيار المحافظين الجديد، يرد على بيان أصدرته نقابة المدرسين يدعو إلى التسامح العرقي. فقد أصدرت النقابة بيانا مع بدء العام الدراسي الجديد يرشد المدرسين إلى ضرورة التأكيد على مبدأ التسامح العرقي والديني عند الإشارة إلى أحداث سبتمبر، وإلى عدم توجيه اللوم للمسلمين بسببها.

وعلى الفور صدر بيان آخر وقعه وزير سابق للتعليم، وزوجة نائب الرئيس الأمريكي، يحمل على بيان نقابة المدرسين، ويطالب بضرورة التأكيد للتلاميذ على أن الولايات المتحدة لها أعداء يضمرون لها الشر، وينبغي الوقوف ضدهم.

ولا أستطيع من موقعي أن أعرف مدى وقع بيان المحافظين الجدد على مدارس الولايات المتحدة، ولكن المدرسة الوحيدة التي أعرفها لم تأخذ به. ولعل ذلك راجع إلى كونها تقع في واحدة من أكبر المدن الأمريكية، حيث تتنوع أعراق وديانات التلاميذ، مما قد يجعل من دعوة المحافظين الجدد إعلانا للنزاع.

وربما يكون لهذا البيان صدى أكبر في المدارس البعيدة عن المدن الكبرى، والتي لا تتنوع فيها الأعراق والديانات.


البروفيسور رشدي سعيد: عالم جيولوجي معروف وعضو سابق في البرلمان المصري. هاجر إلى الولايات المتحدة عام واحد وثمانين. يكتب بشكل منتظم لصحف عربية مختلفة، وله عدد من المؤلفات، منها مرجعه عن نهر النيل، وكتابه عن الحقيقة والوهم في المجتمع المصري. والموضوع المنشور يعبر عن رأيه، في تأثير أحداث سبتمبر على عرب الولايات المتحدة.
 ارسل هذا الموضوع إلى صديق