
جون سيمبسون محرر شؤون الساعة في بي بي سي العالمية
|



جون سيمبسون-بي بي سي
بعد الثامنة مساء في ظلام كابول، أكثر الأصوات التي يمكن أن يسمعها المرء ضجيجا هو صوت نباح كلب، وأشد الأضواء بريقا هو ذلك الضوء الذهبي الخافت القادم من مصابيح الكيروسين الموضوعة على نوافذ البيوت الصغيرة
والمجتمع الأفغاني مجتمع أجبر على العودة إلى الوراء. أجبرته الحرب المستمرة منذ ثلاثة عقود، ثم حكومة طالبان التي قدمت أغرب صور الحكم السياسي والأصولية الدينية في العالم، والتي منحت أسامة بن لادن نفوذا واسعا
حركة طالبان نفسها ليست حركة إرهابية كما يتصور البعض، فهم لا يظهرون اهتماما كبيرا بالعالم الخارجي بطريقة أو بأخرى
 |
ويبدو الآن، بعد الأحداث الفظيعة التي شهدتها نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، أن الولايات المتحدة في طريقها لكي تحمل أفغانستان ثمنا باهظا، ليضاف إلى الفوضى السياسية التي جعلتها إحدى أفقر البلاد وأكثرها تخلفا
ولكن، وعلى العكس مما قد يسمعه المرء من السياسيين الغربيين والمحللين العسكريين والصحافيين، القول أن طالبان وأسامة بن لادن يشتركان معا في تنظيم إرهابي عالمي بعيد عن الصحة
ويعتبر بن لادن ضيفا على طالبان في أفغانستان، وزعيم طالبان الانعزالي ذو العين الواحدة، الملا محمد عمر، يرحب به ويتخذ منه صديقا شخصيا
طالبان والإرهاب
حتى حركة طالبان نفسها ليست حركة إرهابية كما يتصور البعض، فهم لا يظهرون اهتماما كبيرا بالعالم الخارجي بطريقة أو بأخرى
ورغم كل شيء، فقد أرسلت الهجمات في الولايات المتحدة تحذيرا إلى طالبان. ولا شك أن كثيرا منهم سيشعرون أنها خدمت أغراض الشيطان الأكبر، كما أنهم بلا شك مغمورون بمشاعر القلق
والسؤال الذي تحمل الأيام فقط إجابته هو ماذا سيحدث لطالبان، بمعنى آخر ما هو مستقبل تجربتهم الدينية والسياسية


ويعتقد الغربيون أن الأصوليين الإسلاميين معادون للغرب بالفطرة، بينما الحقيقة هي أن طالبان ولدت في كنف كره شديد للاتحاد السوفييتي الملحد الذي غزا بلدهم
وتعتبر طالبان أن الغرب كان إلى جانبهم أثناء تلك الحرب. إذ ساهمت الأجهزة السرية الباكستانية مدعومة من قبل الولايات المتحدة في بناء الحركة التي تسيطر الآن على معظم الأراضي الأفغانية
وحتى في الظروف الحالية، أعتقد أن الولايات المتحدة لو أنفقت ثلث الأموال التي أنفقها بل كلينتون لكي يهاجم أفغانستان بصواريخ كروز على البنية التحتية المنهارة وعلى المساعدات الغذائية، فسوف يكون هذا كافيا لكسب طالبان إلى صف الولايات المتحدة
ومعروف بالطبع أن هذا لن يحدث، وأن على طالبان أن تواجه الاحتمال الحقيقي بأنها قد تمحى من الوجود من أجل القضاء نهائيا على أسامة بن لادن
إزاحة طالبان سوف تمهد الطريق للتخلص من مشكلة أسامة بن لادن، لكن هل تساهم في التخلص من مشكلة أفغانستان
 |
ويكتسب بن لادن قوته الكبرى حاليا من حقيقة أن طالبان تسيطر على تسعين في المئة من أفغانستان، وأنها نجحت في فرض التفسير الذي تتبناه للإسلام
ولو انهار القانون والنظام في أفغانستان، وعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل خمسة أعوام من غياب للقانون وفوضى ونهب، فلا شك أن بن لادن الذي رصت الولايات المتحدة جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يأتي به لن يظل طليقا أكثر من أسبوع، إذ سرعان ما يقبض عليه أحد رجال الحرب ويسلمه طمعا في الجائزة
نظام طالبان
ولا أحاول هنا أن أقدم طالبان في صورة نظام مسالم مشغول فقط بشؤون دينه
فالطريقة التي تعاملوا بها مع النساء ووكالات الإغاثة ومع سكان البلاد بوجه عام غير مقبولة على الإطلاق في عيون الغرب
وقد تابعت من قبل موظفي طالبان الذين يعملون في وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم يتجولون داخل فندق إنتركونتننتال في كابول

كل الأفغان يخشون أن يصيروا هدفا للهجمات الأمريكية
|



وقد جاء هؤلاء إلى الفندق لكي يطوقوا المترجمين الأفغان الذين يعملون مع محطات التليفزيون الغربية التي سمح لها بدخول أفغانستان لتغطية قضية موظفي الإغاثة المتهمين بالتبشير بالمسيحية
وذكرني منظرهم بالمخابرات الروسية والشرطة السرية التابعة لصدام حسين، الفارق الوحيد أن موظفي طالبان يرتدون ملابس العصور الوسطى
ويشعر الأمريكيون وحلفاؤهم أن الوقت حان للتخلص من دولة كأفغانستان، يرون أنها ثقب أسود في الخريطة، حيث يستطيع الإرهاب أن ينمو وينتشر
لكن ما يجب أن يتذكره الحلفاء تماما هو أن المشكلة الأساسية في أفغانستان هي عدم وجود حكومة قوية ذات قبول وشعبية عريضة
ولا شك أن إزاحة طالبان التي تحكم بالفعل معظم البلاد سوف تمهد الطريق للتخلص من مشكلة أسامة بن لادن، لكن هل تساهم في التخلص من مشكلة أفغانستان التي أتت بطالبان إلى الحكم منذ البداية، ووفرت للمنشق السعودي مكانا يعمل فيه