Skip to main contentAccess keys helpA-Z index

آخر تحديث: السبت 25 أبريل 2009 09:34 GMT
البصرة: الحرب سرقت ملامحها، واستعادها مصور بعدسته

أنور حامد
أنور حامد
بي بي سي - لندن

رجال يشريون الشاي
مشهد عادي لناس عاديين، لكنه يقول الكثير عن البصرة

منذ زمن ليس ببعيد كان الموت يجلل المشهد والدماء تطغى على الصورة.

الآن، وبعيد انسحاب القوات البريطانية من البصرة، أصبحت مؤتمرات رجال الأعمال ودعوات الإستثمار هي ما نسمعه ونراه عبر وسائل الإعلام.

وبين المشهدين ضاعت المدينة، بشوارعها وحكاياتها، بمقاهيها ومينائها وبساتين نخيلها، بسحر ليلها الذي ألهم بدر شاكر السياب أرق قصائده ومغني الخشابة البصرية أعذب ألحانهم.

المصور الصحفي العراقي عصام السوداني خاض معركة بعدسته لاستعادة مدينته من كل ما اغتصبها، وأظنه كسب المعركة.

في صوره الفوتوغرافية المعروضة في جاليري بارج هاوس في لندن (23 ابريل/نيسان-10 مايو/أيار) لم يستطع عصام أن يتظاهر بأن كل شيء على ما يرام في البصرة، فقد أفسح في صوره حيزا محدودا لرموز الحرب أيضا.

عصام السوداني
عصام السوداني أمام صوره في المعرض

ستجد مركبة عسكرية هنا وأخرى هناك في عدد قليل من الصور، ولكن عصام قال لي إن وجودها لا يطغى على المشهد، وإنه تعمد أن يظهر المارة يسيرون بلا مبالاة إلى جانب تلك المركبات التي كان وجودها في الشارع الى زمن غير بعيد يزرع الرعب في وجوه البعض ويثير في البعض الآخر رد فعل عنيفا.

لا شيء غير عادي في صور عصام، فالمشهد يشبه أي مدينة أخرى، مع اختلاف التفاصيل، ولكن عصام يقول إن هذا هو ما أراده تحديدا.

أراد أن ينقل حياة الناس العاديين لا كما نشاهدها على شاشات التلفزيون: دموية وصاخبة وبلا ملامح محددة.

الناس في صور عصام ليسوا أرقاما في الإحصائية الإخبارية اليومية لعدد ضحايا التفجيرات والمعارك، بل رجال مسنون يحتسون الشاي ويتسامرون، فتيات بعمر الورود ما زلن قادرات على ممارسة طقوس الفرح العادية والتباهي بوشم الحناء يخضب كفوفهن، أب يتمشى مع ولديه الصغيرين بملامح فرحة، ونساء يغازلن الحلي الذهبية عبر زجاج المحلات السميك.

في دكان الحلاق
هذا الشاب في كرسي الحلاق يمارس حريته في اختيار تسريحة الشعر

عدسة عصام تعمدت النظر الى المشهد من زوايا عدة، فمرة تقترب حتى تزدحم الصورة بأدق التفاصيل، فلا يفوتك حتى ملاحظة "الدمغة" على إصبع العجوز تشهد بممارسة حقه الانتخابي، ولا طلاء الأظافر في صورة امرأة تعتد بأنوثتها، رغم محاولات طمسها.

ومرة تبتعد العدسة حتى لا تكاد تتبين ملامح الأشخاص.

سألت عصام عن السبب فلفت انتباهي الى أشياء بينت لي أن اختياره للمشاهد جاء وفقا لمفهوم واضح.

يحتقلون
يحتفلون بعيد ميلاد، في البصرة، هل من غرابة ؟

هناك صورة التقطت في دكان حلاق، ربما لم تلفت انتباه الكثيرين، ولكن عصام وضح لي أن الشاب في كرسي الحلاق اختار تسريحة شعر تحاكي آخر التقليعات، وهو شيء لم يكن ممكنا حتى فترة وجيزة، حين كانت الميليشيات ترسم حدود كل شيء في حياة الناس، حتى قصة الشعر.

لم أستوضح عصام المزيد عن مدلولات صوره، فأنا مقتنع أن العمل الفني هو ملك المتلقي بمجرد أن يضعه الفنان بين يديه، وبالتالي سمحت لنفسي بامتلاك تفسير شخصي للعبة الاقتراب والابتعاد بالعدسة التي مارسها عصام، ورأيت ترجمته من لغة الكاميرا الى لغة الكتابة.

الرسالة التي أراد عصام توجيهها لزائري معرضه، كما أحسستها: هذه مدينة تحاكي مدنكم، وأهلها يشبهون الناس الذين يعمرون شوارعكم، ففي أكسفورد ستريت في لندن أيضا، إذا حاولت النظر الى تلك الكتل البشرية المتراكضة في كل اتجاه لوجدتها بلا ملامح، تماما كأولئك الذين ترونهم على شاشات تلفازكم، يتساقطون بالعشرات، ولكن اذا اقتربتم منهم ستجدون حكايات تشبه حكاياتكم، وملامح تقترب من ملامحكم.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com