مراسلنا أحمد البديري يروي مشاهداته من الجانب الاسرائيلي للحدود بين اسرائيل وقطاع غزة.
2 يناير/كانون ثاني
في اليوم السابع على بدء الحرب التي تقترب أكثر فأكثر إلى التوغل البري الاسرائيلي نصح الجيش المجلس الامني المصغر بالانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية الرصاص المسكوب.
الجيش قال إنه استطاع اعادة قوة الردع العسكرية والتي كانت قد ضعفت بقوة ابان حرب لبنان الثانية .
الرعايا الاجانب تم اخلائهم من القطاع عبر معبر ايرز فوصلت الحافلات والسيارات التابعة لعدد من السفارات والقنصليات الاجنبية في اسرائيل لاستقبالهم .
بعض العائلات اضطرت إلى الانفصال ففي بعض الحالات تكون الام روسية متزوجة من رجل غزيّ فتغادر مع أطفالها لتترك الزوج والاب لمصيره في القطاع المحاصر الذي يقصف ليل نهار.
أو طفل تدمع عيناه على فراق أصحابه وحارته ومدرسته كالطفل فتحي الذي حدثني عن أصوات الطائرات الحربية الاسرائيلية وكيف أن المدرسة لا تزال مغلقة ولا يعلم إن كان سيرجع لها فهو سيسافر مع والدته إلى روسيا في المساء.
ذهبت إلى سيدروت تلك البلدة الاقرب إلى القطاع ومع بدء السبت اليهودي بدت خالية من المارة وعندها توقفت الصواريخ الفلسطينية عن السقوط عليها لكن أصوات المدفعية الاسرائيلية كنت أسمعها وهي تدك شمال القطاع لبعض الوقت.
عسقلان التي يسميها اليهود أشكلون كانت كسيدروت لكن المدينة الصناعية والتي ضربت مررا بصواريخ جراد كانت أقل هدوءا من سيدروت فرأيت بعض العائلات تغادر المدينة هربا من معركة مستمرة ومرشحة لتصعيد وفي أي لحظة قد تدخل الدبابات غزة لتصبح الحرب أكثر دموية مما هي عليه الان.
بعد اسبوع على بدء المعركة تكون اسرائيل قد قصفت القطاع أكثر من سبعمئة وخميسن مرة ورغم ذلك يبدو ان القدرة الصاروخية لحماس لم تتأثر كثيرا رغم اعلان الجيش الاسرائيلي إنه في الايام الاولى دمر نصفها اذ سقط أحد هذه الصواريخ في الامس في قاعدة لسلاح الطيران الاسرائيلي.
31 ديسمبر/كانون أول
اليوم هو الخامس على بدء عملية "الرصاص المسبوك" والتي تنذر فيها اسرائيل باجتياح بري واسع لقطاع غزة .الدبابات و المدرعات تقف قبالة الحدود بانتظار الاوامر التي لم تصل بعد لبدء الهجوم . الاخبار تشير من القدس أن الحكومة الاسرئيلية لا تريد هدنة لثمانية وأربعين ساعة في اشارة إلى أن المعركة لن تنتهي قريبا.
توجهت في الصباح إلى الجنوب عبر الشارع المركزي لكل اسرائيل و اسمه عابر اسرائيل ,الذي يبدأ من أقصى الشمال إلى الجنوب. فجأة رأيت أزمة مرورية وسيارات اسعاف . صاروخ جراد سقط في المسلك الايسر لأهم شارع في اسرائيل وكأنه الشريان الحقيقي . الصاروخ ضرب للمرة الاولى أحد المنشآت الحيوية وهو هذا الشارع المركزي حتى وإن كان بطريق الصدفة.
تابعت السير إلى حاجز إيرز الذي كان في الماضي يمر من خلاله الآلاف من العمال الفلسطينين يوميا .اليوم كان المعبر خاليا وفقط عبرته سيارة اسعاف نقلت بعض مرضى السرطان الذين يعالجون في اسرائيل . تحدثت مع أحدهم والذي شعر وكأنه دخيل على هذا المكان . الشاب كان يرافق والده لاحد المستشفيات في الضفة الغربية .قال لي الشاب " لا يوجد امكانيات طبية في غزة وأبي ينتظر العلاج منذ خمسة أشهر وفقط اليوم جاءت الموافقة والتي كانت مفاجأة ".
الناطق باسم وزارة الدفاع تحدث في المعبر عن المساعدات التي تقدم لفلسطيني غزة، لكني لم أر إلا أربعة منهم. مرة أخرى منعنا الجيش من الاقتراب من الحدود بسبب اعلانه أن المنطقة عسكرية ووقفت على نفس التلة التي كنت قد وقفت عليها قبل يومين فلم أر شيئا مما يجري في غزة.
بعدها ذهبت إلى سيدروت وهي البلدة الأقرب إلى جنوبي اسرائيل وهناك بدت الحياة اعتيادية وفي لحظة ركض الجميع إلى الملاجىء بعد اطلاق صفارات الانذار ففرغ الشارع تماما وبعد دقيقتين رجع الناس وكأن شيئا لم يكن .
الامطار كانت اليوم شديدة وبعض المحللين يقولون إن هذا سيؤخر الاجتياح البري ببساطة لان القوات البرية ستفقد الغطاء الجوي . المحزن في الامر هو أن الاهتمام الآن ينصب على موعد بدء الاجتياح وليس نتائجه أو ضحاياه الذين لا يمكن التنبؤ بعددهم. أما هنا في سيدروت فيقولون إن الصواريخ يجب أن تتوقف وإن الملاجىء يجب أن تغلق.
30 ديسمبر/كانون أول
اليوم هو الرابع منذ بدء هذه الحرب التي يستخدم فيها الجيش أحدث المعدات العسكرية ضد مسلحين فلسطينين يستخدمون أسلحة ليست متقدمة فالصواريخ التي تطلقها حماس هي مصنّعة محليا أي في داخل ورشات خاصة بالحركة .
لفت انتباهي اليوم تلك الطائرات بدون طيار والتي تسمى في غزة "الزنانة" فصوتها يدل على اسمها.
هي كالذبابة لها أعين أو كاميرات دقيقة تصور كل ما يجري على أرض القطاع والتي ترسلها إلى قيادة الجيش .
وأظن أن هذه الطائرة كانت السبب وراء انقطاع الاتصالات الهاتفية التي لم أتوقف عنها طوال اليوم.
كنت أعاود الاتصال لاعتذر فلم أقصد انهاء المكالمة ولكن الزنانة هي من فعلت ذلك.
المكان الذي وقفنا فيه كان وسط مزرعة مطلة على الحدود مع غزة والذباب كان مزعجا للغاية فداخل السيارات وجدت عدد لا يحصى منها وكأنها فرت من غزة هربا من صواريخ اسرائيل .
على أي حال المعركة من بعيد ليس كأن تكون داخلها والمشكلة أن هذه المعركة الان تجري في الهواء، صواريخ تسقط أو صواريخ تطلق.
المصور الذي معي واسمه عيسى شاكر أحضر معه بعض الكعكات من القدس ولم ينتبه لها إلا عندما عدنا إلى القدس وعندها أصبحت يابسة لا تصلح للاكل .
عيسى أحضر معه ملابس تكفيه في برد ألاسكا ولم أرى في الصباح أن الامر يحتاج كل هذا.
عندما اقترب الغروب أدركت أنني بحاجة لمعطفي فلبسته فوق السترة الواقية عندها علمت أنني أقوم بتدريب رياضي من النوع الثقيل .
خلعت المعطف ورضيت بالبرد. أما عيسى فعلى العكس خلع السترة الواقية وأبقى المعطف ، حيث يبدو أنه والبرد ليسا أصدقاء.
29 ديسمبر/كانون أول
اليوم هو الثالث في هذه العملية التي يبدو أنها لن تنتهي قريبا.
وصلت إلى جنوب اسرائيل في الصباح وفي الطريق رأيت صاروخ قسام يسقط بالقرب من سديروت.
تقدمتٌ لكن قيادة الجيش سبقتني وأعلنت المنطقة عسكرية مغلقة.
لم أستطع الوصول إلى الحدود كما حصل بالأمس فتوجهت إلى تلة عالية لكنني لم أكن راضيا بذلك. وقفت لساعتين أطلع المستمعين على الاذاعة و المشاهدين على التلفزيون على ما يجري وحولي الدبابات تمر وكأنها جولة عادية.
بينما كنت أتحدث على الهواء سمعت دوي انفجار كبير فرأيت ألسنة الدخان تتصاعد من القطاع وعلمت بعدها أن الانفجار كان وسط مدينة غزة.
قررت مغادرة المكان ولكن الحاجز العسكري كان يمنعني من التقدم. عندها قلت لزميلي عيسى شاكر "أعطني مفتاح السيارة لابد أن نجد حلا ". تجولنا لنجد مهربا وبالفعل وجدنا مكانا يمكن العبور منه أو على الاقل هكذا إعتقدنا. السيارة غرقت في الوحل وكانت الامطار تسقط علينا وأصبحنا عالقين والصواريخ تسقط من حولنا.
فجأة رأينا جرارا زراعيا فنادينا سائقه لكن الرجل لم يكن معه حبل ليسحبنا. بعد دقائق توقف سائق شاحنة و رمى بحبل ليسحبنا الجرار وأصبحنا طلقاء لكننا لم نتوقف عن البحث عن ثغرة اخرى.
أخيرا وصلنا إلى مكان قريب جدا وأصبح قطاع غزة أمامنا وبدأنا بالعمل.
على أي حال توالت الاخبار عن الصواريخ وكنا نرى الطائرات وهي تقصف، وفي احدى المرات وأنا على الهواء انطلق صاروخ قسام وما هي إلا ثوان حتى قصف مكان الاطلاق من طائرة لم أرها أصلا.
بدا المشهد وكأنه حرب حقيقية مع تلك الهجمات الجوية التي لم أر مثلها أبدا في قطاع غزة.
عند الغروب علمت أن الوقت حان للمغادرة ليس فقط بسبب الخطورة بل بسبب أن المكان سيكون مظلما في ليلة ماطرة باردة وما هي إلا دقائق حتى وصلت المزيد من أرتال الدبابات والمدرعات الإسرائيلية.