الوصول إلى المقر الرئيسي لهيئة قناة السويس لم يكن صعبا ، فالمبنى المطل على القناة وعلى بحيرة التمساح في آن معا ، يظهر بوضوح بعد بضعة مئات من الأمتار ، عقب دخولك إلى الإسماعيلية .. عروس القناة ، حسبما يسميها أهلها .
في الطابق السابع من مبنى الإرشاد ، يقع مكتب الفريق أحمد فاضل ، الذي يرأس هيئة قناة السويس منذ إثنتي عشرة سنة . ولأنه قائد سابق لسلاح البحرية ، يتحدث الرجل بفخر عن محطات هامة في تاريخه العسكري ، ويتوقف بشكل خاص عند حصوله على وسام رفيع من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، قبل أربعين عاما .
كانت قناة السويس مسرحا لمعارك سياسية وعسكرية
|
"الملاحة بخير"
من مكتب الفريق فاضل تستطيع بسهولة متابعة السفن أثناء عبورها قناة السويس .. أسأله عن تأثير القرصنة في خليج عدن على حركة الملاحة في القناة ، فيجيب بثقة : " حتى الآن لم نتلق أي اعتذارات من شركات الشحن البحري ، ولا يوجود أي تفكير في الإنحراف عن قناة السويس واستبدالها بطريق رأس الرجاء الصالح ، لأن التكلفة قد تزيد بمقدار 30 % .. وما يتردد عن تأثير القرصنة أضعف بكثير من أن يؤخذ بالإعتبار . "
وللبرهنة على ما يقول ، يشير المسؤول الأول عن قناة السويس إلى جهة القناة ويضيف : " لو نظرت من النافذة لأمكنك تصوير مرور أكبر سفينة حاويات في العالم .. إنها ستعبر خلال بضع دقائق ."
يحاول الفريق أحمد فاضل - كغيره من المسؤولين المصريين - التأكيد على أن حركة الملاحة في القناة على مايرام ، وأن التفكير في إستخدام طريق رأس الرجاء الصالح لن يحمي السفن من خطر القرصنة ، مشيرا إلى حادثة إختطاف ناقلة النفط السعودية العملاقة ، التي كانت متوجهة إلى الولايات المتحدة عبر رأس الرجاء الصالح .
تاريخ حافل
يتوقف الفريق فاضل كثيرا عند وسام حصل عليه من الرئيس عبد الناصر
|
يعيد شبح القرصنة في خليج عدن إلى الذاكرة حوادث عديدة ، كانت فيها قناة السويس مسرحا لمعارك سياسية وعسكرية ،أسفر بعضها عن توقف الملاحة في القناة ، كما جرى عقب قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الخاص بتأميم القناة والذي تسبب في ما يعرف بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، وكذلك كان الحال عندما نشبت حرب يونيو حزيران عام 1967 ، حيث أغلقت القناة ثمانية أعوام كاملة .
ولم تكن تلك سوى أمثلة لمحطات في تاريخ قناة السويس الذي تقول صفحاته الأولى إن مليونا ونصف مليون مصري شاركوا في حفر القناة ، التي كانت مجرد فكرة أقنع صاحبها " ديليسبس " والي مصر الخديوي سعيد بتنفيذها قبل 149 عاما .. وتقول أيضا إن مائة وعشرين ألف مصري لقي حتفه أثناء حفر القناة ، إلى أن أفتتحت في إحتفال أسطوري في السابع عشر من نوفمبر عام 1869.
تراجع الإيرادات
قبل أشهر قليلة لم يدر بأذهان المصريين أن قناة السويس التي تعد ثالث أهم مصدر للدخل القومي لبلادهم ، تتعرض في زمن السلم لتهديدات حقيقية .. فبالإضافة إلى تداعيات الأزمة المالية العالمية ، جاء تزايد حوادث القرصنة في خليج عدن ، ليطرح أسئلة عديدة حول مستقبل الملاحة في القناة .
يقول ممدوح الولي رئيس القسم الإقتصادي بجريدة الأهرام : " قامت شركات ملاحية دولية من النرويج والدنمارك بتحويل سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ونتيجة لذلك انخفضت بالفعل إيرادات قناة السويس ، ولا شك أن الأزمة السياسية في الصومال ستلعب دورا كبيرا في استمرار أعمال القرصنة في المستقبل المنظور . "
وربما لهذا السبب تدرس هيئة قناة السويس تأجيل إعلان رسوم المرور الجديدة بالقناة للعام القادم " 2009 " لبحث تداعيات قضيتي القرصنة والأزمة المالية العالمية.
يطمئن المسؤولون المصريون الإعلام حول وضع قناة السويس وعدم تأثر القرصنة عليها
|
دور إسرائيل
التصريحات المطمئنة التي تصدر عن مسؤولي القناة تتعارض مع تقديرات كثير من الإقتصاديين ، وتختلف في نفس الوقت مع رؤية بعض السياسيين الذين يشيرون بأصابع الإتهام إلى إسرائيل كداعم غير مباشر للقرصنة في خليج عدن .
يقول ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل ، عضو مجلس الشورى : " ليس لدي شك في ضلع إسرائيل ، فهي تحارب مصر منذ فترة طويلة في منابع النيل ، وفي إيراداتها السيادية ، كإيراداتها من الملاحة في قناة السويس . إسرائيل صاحبة المصلحة الأولى في أن تفقد مصر تلك الإيرادات . "
لكن الفريق أحمد فاضل يرد على ذلك بنبرة هادئة ، ويقول " لا داعي لإستخدام نظرية المؤامرة في تلك القضية ، لأن القرصنة موجودة في تلك المنطقة قبل أن تظهر إسرائيل بآلاف السنين . "
تتباين الأراء حول تفاصيل القضية ، سواء من جهة الأسباب أو التداعيات ، لكن الجميع يتفق على ضرورة قيام مصر بتحرك عملي ، في سبيل حشد جبهة دولية للتصدي بفاعلية لخطر القرصنة .
تدرس هيئة قناة السويس تأجيل إعلان رسوم المرور الجديدة بالقناة للعام القادم " 2009 "