Skip to main contentAccess keys helpA-Z index
BBCArabic.com
آخر تحديث: الخميس 15 نوفمبر 2007 13:04 GMT
"الحلم الايطالي" يقتل مئات المصريين




مواقع خارجية متصلة بالموضوع
بي بي سي ليست مسؤولة عن محتويات المواقع الخارجية


عبد البصير حسن
تقرير
عبدالبصير حسن
بي بي سي القاهرة

قبل ايام قليلة اعلن عن مصرع قرابة ثلاثين شابا مصريا غرقا، ونجاة عشرات اخرين امام السواحل الايطالية. وبعدها بايام قليلة نجا العشرات فى حادث مشابة قرب جزيرة كريت. واعتادت الصحف المصرية نشر انباء عن عودة عشرات الشباب مرحلين من دول عربية واجنبية، والقبض على شبكات تسفير ووسطاء سفر غير قانونيين.

يحلمون بالهجرة

ويعد السفر الى اوروبا عبر ايطاليا حلما يرواد عشرات الاف من الشباب المصريين خاصة فى القرى الفقيرة، التى بات عدد منها مصدرا ثابتا لهجرة غير شرعية لاتنقطع حتى ولو ابتلع البحر.

قرية مترفة

قرية تطون بمحافظة الفيوم جنوب غرب القاهرة، واحدة من تلك القرى التى يخرج منها المئات من الشباب بل والاطفال شهريا متجهين عبر السواحل الليبية نحو ايطاليا فى رحلات على متن مراكب متهالكة ربما تنتهى رحتلها فى قاع البحر قبل ان تدرك البر.

تطون، وجاراتها شدموه والغرق وغيرها فى محافظات الدلتا والصعيد، بدلت جلدها الريفي وارتدت حلة المدن الكبرى، وان ظل المنظر العام عشوائيا، بفضل الاموال القادمة من وراء المتوسط.

على غير عادة القرى، ارتفعت بعض مباني القرية لعشرة ادوار ويزيد في حين بقيت بيوت اخرى شيدت من الطوب وارتفعت لدور واحد او دورين على الاكثر، على حالها منذ عشرات السنين.

ممرات القرية الترابية تسير عليها سيارات من الموديلات الحديثة كما تسير عليها عربات الكارو والسباخ. المقاهى تحتض عددا غير محدود من الرواد من الاعمار المختلفة يشاهدون القنوات الفضائية عبر الاطباق التى انتشرت فوق اسطح المنازل والعشش على السواء.

كثير من الاشياء هنا تشي بأن القرية خلعت رداء الريف وارتدت رداء الحضر. فبالاضافة الى ارتفاع البنيان والسيارات الفارهة والانشطة التجارية والاستهلاكية والتكميلية، وضح من حديث الاهالي عن الزراعة لم تعد بنفس الاهمية التى كانت عليها سابقا.

أسباب مختلفة

أحد اهالي القرية قال "ان ارتفاع مستلزمات الانتاج وضعف التسويق وقلة العائد من الزراعة دفع الشباب للانصراف الى مشروعات افضل واسرع ربحا."

وبرغم ان أجرة العامل الزراعي بلغت 30 جنيها و40 جنيها فى اليوم (الدولار يساوي 5.45 جنيها مصريا) الا ان الرغبة فى اجر اكبر لشراء الكماليات المنزلية جعل بيع المشروبات الغازية افضل من زراعة القمح.

كما قال بعض الاهالي ان كثير ممن يسافرون الى ايطاليا يبيعون مايحوزونه من اراضي لتوفير النقود للوسيط لتسفيرهم. وفي العادة يكون المشترى احد العائدين من وراء المتوسط.

ويسوق الشباب هنا اسبابا اخرى للهجرة والتضحية بالنفس احيانا. ويقول مختار انه لايعرف القراءة ولا الكتابة ولكنه متشبث بالسفر الى ايطاليا حتى لو كلفه ذلك حياته. والسبب كما جاء على لسانه هو ان اخرين بالقرية عادوا من الخارج بثروات طائلة واشتروا الاطيان الزراعية والسيارات وتزوجوا اجمل الفتيات.

واشار الى احدى البنايات السكنية العالية بجوار " دكانه " الضيق وقال "لماذا لايكون عندي مثل هذه؟"

البحر مقبرة

بمجرد ان تستقل اي سيارة اجرة متجهة الى القرية، حتما ستجد من بين ركابها من جرب محاربة امواج المتوسط فى رحلة الى السواحل الايطالية.

لفتت نظرى اوراق تحمل عناوين واختاما ايطالية لشاب جلس بجوارى فى الطريق الى تطون من مدينة الفيوم. لخص حكايته بأنه " شاهد الموت بعينه فى رحلتين عبر المتوسط امتدت احداها لشهر فى البحر قبل ان يلقي القبض عليه ويقضي شهرا فى السجون الايطالية، ثم تتدخل السفارة المصرية ويعود مرحلا الى مصر.

يقول نبيل انه دفع مبلغ 15 الف جنيه لاحد الوسطاء الذى اجبره على التوقيع على اوراق تفيد بأنه غير مسؤل بالمرة عن مصيره لاحقا بما ذلك الموت فى البحر.

يقول احد الاباء انهم " على يقين بأنهم يضحون بعشرة فى المئة من شباب القرية سنويا، يموتون خلال رحلات الهرب الى السواحل الايطالية، كي تنهض باقي القرية ويعيش الاخرون فى رفاهية." وقال انه " لامانع لديه من ان يفقد احد ابناءه فى مصير مشابهة اذا كان النجاه من هذا المصير فيها عائد لبقية الابناء ".

الحلم الايطالي تمكن من عقول جميع ابناء القرية تقريبا ، ليس من قلة رزق او ضيق ذات اليد فقط ، بل ، وكما بدا علنا، من غيرة رغبة عارمة فى التقليد. ولم تعد ظلمات البحر شبحا مخيفا، بل صار غاية ، عسى ان يكون الافلات منها، منفذا لكنوز واموال تشترى بها الاطيان وتبنى بها القصور، فتقوى شوكة الاهل ويغتاظ الجيران.

احد الشباب ويعمل حلاقا، قال بنبرة تنم عن غيظ شديد " الجنيه او الجنيهين اللذان احصل عليهما من الزبون لن تنفعني في شيئ خاصة اذا كان هناك زبون قادم من ايطاليا يدفع لي خمسين او مئة جنية فى مرة واحدة. لماذا لااكون مثله؟. وطالما انا هنا ميت وهناك ميت، فاموت هناك افضل."

وتدخل احد الشباب وقال انه سافر الى ايطاليا وعادة بثروة معقولة مكنته من الزواج وبناء بيت وشراء سيارة والانفاق بشكل جيد على اسرته. واضاف انه لاتوجد فرص عمل كافية بالقرية ولابالقرى المجاورة وهذا هو السبب وراء هجرته الى ايطاليا فى الماضي.

برغم رغبته العارمة فى السفر الى ايطاليا مجددا بعد فشل تجارب سابقة له، قال شاب اخر بنبرة حزينة يائسة انه يتمني ان يرحل واسرته عن القرية. واضاف ان مايحدث فى قريته " نوع من الغيرة القاتلة والتقليد الاعمي، مشيرا ان هناك من يسافر نتيجة الحاجة وضيق ذات اليد ، وهنا ميسورون يسافرون لطلب المزيد من الثروة."

واشار الى ان هناك من يأتي بثروات لايعرف مصدرها خاصة ان يعرف ان البعض يعمل فى مجالات غير مشروعة فى البلدان التى يهاجرون اليها.

واكد على ان " الثروة دفعت البعض الى تجاهل تقاليد واخلاقيات القرية ولم يتبق من هذه الاخلاق سوى مايحاول شيوخ القرية الابقاء عليه، . اما الشباب والجيل الجديد الذى تربي على اموال ايطاليا فأنه لايعرف عن هذه العادات والتقاليد والاعراف الا قليل القليل."

واضاف ان الفتيات والفتيان باتوا يقلدون شباب الغرب فى زيههم وسلوكهم.

حتى الاطفال

أحد أبناء القرية ويبلغ من العمر ستة عشرة عاما قال ان قريبا له فى الصف السادس الابتدائى توجه الى ايطاليا بصحبة قريب اخر لهما، ولكنه لايعلم اذا كان قد وصل الشواطئ الايطالية اما ابتلعه البحر.

واضاف انه شخصيا يعد العدة ليخوض التجربة ودفع ثلاثين الف جنيه لاحد الوسطاء للغرض ذاته واشار الى الوسيط الذى اختفى على الفور.

هذا الطفل قال ان الغاية من سفره الى ايطاليا، ولو لم يعد، هو " أبني مستقبلي وأعمل مثل الاخرين. ولماذا لا اجرب حظى ، الست اشعر بالغيرة؟. انا اريد ان يكون لدى نقود كثيرة مثل ابن جارنا."

نعوش طائرة

في مبنى تابع لمحافظة الفيوم التقيت جلال فوزي مراد ،وكيل وزارة الادارة المحلية ورئيس مركز ومدينة اطسا بمحافظة االفيوم، وعرضت عليه ماقاله شباب القرية عن اسباب هجرتهم.

نفي مراد ان تكون ندرة فرص العمل هى السبب وراء مخاطرة هؤلاء الشباب بارواحهم فى عمليات هجرة غير شرعية عبر المتوسط ربما تنتهى بغرق بعضهم. واكد ان فرص العمل متاحة فى محافظة الفيوم التى تحتض منطقة صناعية هامة.

وذكر ان الكثير من مدارس القرية والقرى المجاورة بات التلاميذ يتركونها طامعين فى رحلة الى ايطاليا. واشار الى ان الارض الزراعية لم تعد تجد من يفلحها فارتفع اجر العامل الزراعي الى ثلاثين واربعين جنيها.

واضاف ان مركز إطسا تعود ان يعود اليه عدد من ابناء فى نعوش قادمة من البلدان الاجنبية نتيجة الهجرة غير الشريعة، منذ هاجر اول مجموعة من شباب قرية تطون الى ايطاليا قبل عشرين عاما وعاد بعضهم بثروات طائلة غيرت نمط الحياة فى القرية.

ابعاد دينية واجتماعية

وقد اثارت هجرة الشباب الى البلدان الاوربية وموت بعضهم غرقا فى ازمة حادة بين دار الافتاء المصرية ومجمع البحوث الاسلامية بالازهر الشريف. فقد تمسك مفتى مصر الشيخ علي جمعة بأن هؤلاء الذين يلقون بانفسهم فى التهلكة دون سبب قاهر، ليسوا شهداء. بينما خرج بيان من الازهر بفيد بعكس ذلك استنادا الى احاديث نبوية شريفة تقول ان الغريق شهيدا.

من ناحية اخرى اكدت الدكتورعزة كريم استاذة علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة على ان من يسافرون دون سبب قاهر فى هجرة غير شرعية لايمثلون سوى عشرة او عشرين بالمئة فقط من جملة المهاجرين غير الشرعيين.

وتقدر مصادر بأن نصف مليون مصري يحاولون الهجرة غير القانونية سنويا ويتكلف الاقتصادى من وراء ذلك خسارة تقدر بنحو خمسين مليون جنيه سنويا باعتبار ان رحلة المهاجر غير الشرعي تتكلف من عشرين الى خمسة وعشرين الف جنيه مصري.

وتشير التقديرات الرسمية الى ان تعداد سكان مصر بلغ 76 مليون نسمة، نصفهم نسبة البطالة في مصر بتسعة في المائة فقط، لكن الدراسات التي ترصد البطالة في صفوف الشباب تظهر أن 30% من الشباب الذين تترواح أعمارهم بين 15 و30 عاما وتعطلون عن العمل. وتزداد هذه النسبة بين صفوف الشباب، خاصة في المناطق الريفية.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com
 

خدمات تقدمها لكم bbcarabic.com