يقع مقام الشيخ عدي بن مسافر المقدس لدى الايزيديين في هذا الوادي
|
العراق كغيره من بلدان الشرق الأوسط عبارة عن مزيج من مختلف الأعراق والطوائف يعيش فيه العرب والأكراد والتركمان والكلدو آشوريين والأرمن الشبك والغجر وغيرهم من المجموعات العرقية او الدينية التي لم يسمع بهم الكثيرون.
كما يعيش في العراق عدد من الأقليات الدينية الصغيرة مثل الصابئة والبهائيين والكاكائيين.
وقد نشرت "مجموعة حقوق الأقليات الدولية" والتي مقرها لندن مؤخرا تقريرا مفصلا تحدثت فيه عن المخاطر العديدة التي تتعرض لها هذه الأقليات في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين في اعقاب الغزو الأمريكي عام 2003.
وتقول المجموعة إن الأقليات العرقية والدينية المختلفة، التي تملكها بعض التفاؤل بزوال حكم صدام حسين، تتعرض لمخاطر جديدة تختلف عما تعرضت له في السابق.
وتتعرض هذه المجموعات الان لعمليات قتل وتهجير وخطف على يد الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية مما اجبر الكثير من أبناء هذه المجموعات على النزوح عن أماكن تواجدها التاريخي والفرار إما الى مناطق أكثر أمنا في العراق أو الخروج من العراق واللجوء الى الدول المجاورة.
وهذا الوضع يؤدي إلى اندثار تراث وثقافة وتاريخ هذه المجموعات، التي هي جزء من تاريخ العراق والبشرية، بشكل نهائي والى الابد.
كما ان الاعتداءات والتهديدات التي تتعرض لها هذه الاقليات تجبرها على النزوح عن موطنها الاصلي واستيلاء جماعات اخرى على دورهم ومعابدهم ويترافق ذلك بعملية محو كل اثار وتراث هذه الاقليات عن هذه المناطق.
كما تعرضت العديد من دور العبادة والأماكن المقدسة لها الى اعتداءات وعمليات حرق على يد الجماعات المسلحة.
الايزيديون في العالم
لسنا بصدد الحديث عن الديانة الايزيدية فهذا موضوع آخر لكننا نتناول هذه الأقلية الدينية العريقة والكبيرة نسبيا في العراق والمخاطر التي تتهددها في ظل الظروف الأمنية المضطربة التي يمر بها حاليا.
يقدر عدد الايزيديين في العالم حسب أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بحوالي 800 ألف ايزيدي يعيش حوالي 550 ألف منهم في العراق.
يعيش 75 بالمائة من الايزيديين في العراق في المنطقة الجبلية القريبة من الحدود السورية وعشرة بالمائة منهم يعيشون في المنطقة الكردية في مدن مثل دهوك والسليمانية واربيل و15 بالمائة الباقية في منطقة شيخان.
وتوجد أقلية ايزيدية في سورية يقدر عددها بحوالي 30 الف تعيش في عدد من قرى محافظة الحسكة وفي منطقة عفرين التابعة لمحافظة حلب.
أما في تركيا فلم يبق منهم أكثر من 500 ايزيدي يعيشون في مدن مثل ديار بكر وشرناخ وباتمان بينما كان عددهم أكثر من 25 ألف في بداية الثمانينيات من القرن الماضي هاجر اغلبهم إلى أوروبا بسبب تدمير عدد كبير من قراهم أثناء العمليات العسكرية للجيش التركي ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
وتوجد أقليات ايزيدية في كل من جمهورية جورجيا وارمينيا هاجرت من مناطقها في تركيا اثناء الحكم العثماني بسبب الاضطهاد الديني الذي كانت تلاقيه.
يعتبر معبد لالش من اقدس الاماكن لدى الايزيديين
|
كما توجد أقلية ايزيدية في إيران أيضا لكن لا تتوفر معلومات عنها.
وفي جميع مناطق الانتشار الايزيدي في الشرق الاوسط يشكلون جزأ" من النسيج السكاني الكردي.
اضطهاد تاريخي
تعرض الايزيديون عبر التاريخ للعديد من حملات الابادة والقمع وكانت اشدها في عهد الامبراطورية العثمانية.
يقدر الايزيديون عدد الحملات التي تعرضوا لها خلال العهد العثماني فقط باكثر من 72 حملة وفي كل مرة كانت تدمر مزارتهم وتهدم بيوتهم فكانوا يلوذون بالجبال والكهوف لحماية انفسهم من الانقراض والهلاك.
الكتاب المقدس عند الايزيديين يسمى "مصحف ره ش" ( الكتاب الأسود) ألفه الشيخ عدي بن مسافر الهكاري الذي يعتبره الايزيديون مجدد ديانتهم ويتناول فيه مسألة الخلق وتكوين العالم وأصل اليزيدية.
أما كتابهم الثاني فيتضمن القصائد والأدعية والأصول القديمة للايزيدية والكتابان باللغة الكردية.
الديانة الايزيدية لا تقبل مؤمنين جدد في صفوفها والانتماء اليها متوارث والخروج منها يعني الخروج من المجتمع الايزيدي.
ولا يتزوج الايزيديون الا من ابناء عقيدتهم وهذا الامر يشكل معضلة اجتماعية عندما يكون عدد افراد مجموعاتهم محدودا.
والايزيديون اناس مسالمون ويكرهون العنف ومنغلقون كثيرا ويحيط الغموض بمعتقداتهم وهذا شيء يمكن تفهمه كونهم اقلية دينية تشعر بالخطر على هويتها المميزة بسبب تواجدها وسط جماعات اسلامية اكبر منها بكثير ولا تنظر بارتياح دائما الى معتقداتهم بسبب الاشاعات والافكار الخاطئة الشائعة بينهم عن الايزيديين.
كما يعود ذلك الى تعرضهم لاعتداءات متكررة بسبب انتمائهم الديني على مر التاريخ.
يقوم المئات من سدنة معبد لالش بخدمة الزوار والمعبد على مدار العام
|
الايزيديون في العراق
والايزيديون من الناحية القومية أكراد ويتكلمون اللهجة الكرمانجية لكن ذلك لم يمنع من تعرضهم إلى بعض المضايقات والاعتداءات من جانب الأكراد المسلمين اخرها في أواسط شهر فبراير/شباط الماضي حيث هاجم عدة مئات من الشباب الأكراد المسلمين المسلحين ناحية شيخان ومن بينها مقر أمير الايزيدية تحسين بك واحرقوا العديد من المراكز الدينية والثقافية الايزيدية في المدينة وهم يهتفون "الله اكبر" ليومين متتاليين بسبب خلاف اجتماعي حول علاقة شاب ايزيدي بامرأة كردية مسلمة.
ويقول الناشط الايزيدي سفو سليمان قوال ان الاحداث الاخيرة ناجمة عن انتشار التطرف الاسلامي في اوساط عدد كبير من الاكراد وخاصة خلال فترة الحظر الاقتصادي على العراق في بداية التسعينيات من القرن الماضي وان ماجرى كان انذارا لنا وبأن إنتمائنا الكردي لا يكفل حمايتنا حتى من اخوتنا الاكراد المسلمين بسبب انتشار التطرف الاسلامي .
ويضيف سفو " ان الاوضاع الاقتصادية المتردية في المنطقة الكردية خلال تلك الفترة سهلت انتشار التطرف الاسلامي حيث لجأت الجماعات المتطرفة الى استخدام المال من اجل نشر افكارها وهو ما اصبح مشكلة الان حيث نلحظ وجود متطرفين اسلاميين حتى في صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني وهناك الان بعض رجال الدين الاكراد في المنطقة الكردية ينعتون الايزيديين بالكفر من على منابر الجوامع".
وفي ظل انقسام العراق على اسس عرقية وطائفية وتردي الاوضاع الأمنية وانتشار التطرف تعرض عدد كبير من أتباع الديانة الايزيدية لعمليات قتل وعنف على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة التي وزعت منشورات في مدينة الموصل وصفت الايزيديين بأنهم "كفار" واهدرت دمهم.
وبعد تلقيهم تهديدات متكررة لهم لم يبق في مدينة الموصل أكثر من عدد محدود جدا من العوائل الايزيدية واجبروا على ترك منازلهم والهجرة إما إلى المنطقة الكردية أو المناطق الايزيدية.
فقد قتل 25 ايزيديا خلال الفترة من شهر سبتمبر/أيلول إلى كانون أول/ديسمبر 2004 في مدينة الموصل كما خطف عدد من الايزيديين على يد الجماعات المسلحة وقتلوا وتم قطع رؤوسهم لبث مزيد من الرعب في صفوف الايزيديين.
كما كان مصير الايزيديين في العاصمة بغداد ليس افضل من نظرائهم في الموصل واضطروا الى تركها والعودة الى مناطقهم الاصلية.
ورغم أن الايزيديين المتواجدين في المنطقة الكردية يتمتعون بالحرية الدينية الكاملة حيث لهم أعضاء في برلمان كردستان لكن هناك شكاوي من تعرضهم للإهمال والتمييز على يد الموظفين المحليين التابعين للإدارة الكردية.
يعمل الايزيديون في الزراعة بسبب خصوبة أراضيهم وسوق تصريف إنتاجهم الزراعي هو مدينة الموصل القريبة من مناطقهم لكن بسبب التهديدات المتكررة لهم عزفوا عن تسويق منتجاتهم هناك مما صعب أوضاعهم الاقتصادية.
ازاء هذا الوضع اضطر العديد من انباء الايزيديين الى التوجه الى المناطق الكردية بحثا عن العمل كما يسعى العديد منهم الى الهجرة الى خارج العراق.