هل يمكن تصور أن يحمل الأستاذ أو الطبيب سلاحا إلى جانب القلم أو المبضع؟
صورة قد يصعب تخيلها، "لكن الناس، مهما تباين العمل الذي يقومون به، يتشابهون برد الفعل إذا وضعوا في موقف الدفاع عن النفس" كما قال لي طبيب عراقي لم يرغب بالإفصاح عن اسمه ومكان عمله.
طلبة في الجامعة المستنصرية
|
استهداف ذوي الكفاءات قتلا واختطافا، هجرتهم تحت طائلة التهديد، اعتكافهم بعيدا عن عملهم.... تلك هي تفاصيل الوضع الذي تعيشه فئة مهمتها بناء مستقبل البلاد.
الجميع يعرف أن الأحداث التي تجري في العراق كثيرة ومتنوعة، بأشكالها ودوافعها وبمن يقف وراءها، أحدها يتماس مع هذا الموضوع وهو ما وقع، أخيرا، للعاملين في إحدى إدارات وزارة التعليم العالي من اختطاف جماعي على يد مسلحين.
الأنباء تناقلت هذا الحادث بالتفصيل (بسبب سعته وربما غرابته)، وعلى إثره جرت تساؤلات وأطلقت اتهامات وذكرت شهادات ووقعت مداهمات.
عملية الاختطاف الجماعي لموظفي مؤسسة بحث علمي أثار إلى جانب ذلك أسئلة كثيرة بما فيها: لماذا تستهدف فئة من أهم فئات المجتمع، دونما تمييز؟
 |
الهدف إعاقة التقدم الاجتماعي والتكنولوجي
|
كثيرون يرون أن هذا الأمر يكتنفه غموض شديد، وهناك من يحاول أن يتلمس خيوط المشكلة المتشابكة... لكن الأمر الذي يتفق عليه الجميع، هو أن ما يشهده العراق يشكل استنزافا مخيفا للعقول والكفاءات والاختصاصات العلمية والأكاديمية.
كان العراق قد شهد، أيام النظام السابق، هجرة واسعة للمثقفين وذوي الاختصاصات وحملة الشهادات بسبب الظروف السياسية والاقتصادية وغياب الحريات وأسباب أخرى. غير أنه لا يعرف الكثير عن دوافع عمليات الاستهداف الحالية أو من يقف وراءها.
وطبقا للاحصاءات التي تتداولها منظمات معنية بالامر، فإن المئات من هؤلاء قتلوا أو اختفوا، بينما هاجر الآلاف إلى خارج البلاد طلبا للأمان.
وعلى غير ما هو سائد من صراعات في العراق حاليا منذ الإطاحة بالنظام السابق لا يبدو أن استهداف الأكاديميين والعلماء يأخذ طابعا طائفيا أو حزبيا أو عقائديا أو إقليميا، أو على أساس العرق أو الجنس، بل أنه لا يميز بين أحد وآخر.
آخر التصفيات طالت استاذين من طائفتين مختلفتين هما الدكتور عصام الراوي استاذ الجيولوجيا رئيس رابطة التدريسيين العراقيين (اغتيل قرب منزله في بغداد) و الدكتور جاسم الأسدي عميد كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد (اغتيل مع عائلته أثناء قيادته سيارته)، دون ان يتبين وجود رابط بين العمليتين.
ما الذي يحدث؟
يتفق أكاديميون وأطباء عراقيون التقتهم بي بي سي أن الهدف الرئيسي هو إضعاف البلاد وحرمانها من طاقاتها البشرية.
الدكتور محمد الربيعي، وهو مستشار علمي لدى الرئيس العراقي وبروفيسور في كلية "يونيفرستي كولدج" في دبلن وجامعة برمنجهام البريطانية، يقول في رد على سؤال بي بي سي، إن الهدف من ذلك، إرجاع العراق "إلى عهد الدكتاتورية وجعله مركزا للإرهاب العالمي ومعاداة الغرب" إضافة إلى ترويع الهيئة التدريسية بما يؤدي إلى تعثر العملية التربوية وهجرة العقول إلى الخارج".
ويشير إلى أن عمليات الاغتيال والخطف "تطال ذوي الاختصاصات المختلفة في اغلب الجامعات عدا الموجودة في اقليم كردستان"، الأمر الذي يؤدى إلى "اضطراب الأجواء الجامعية وازدياد الصراعات الشخصية والطائفية وارتفاع معدل هجرة العقول إلى الخارج".
ولا يبتعد الدكتور عباس الحسيني، الأستاذ في جامعة ويستمنستر في لندن، كثيرا عن ذلك في رؤيته لأسباب قتل الأكاديميين والعلماء العراقيين، إذ يعتبرها "جزءا من خطة لتدمير العراق وإيقاف العملية السياسة وعرقلة إعادة أعمار البلاد".
ويعتقد الدكتور اسماعيل الجليلي، الاستاذ في طب العيون، والعضو الاستشاري في لجنة بروكسيل القضائية، بأن ما يحدث هو عملية تصفية منهجية لإمكانات العراق "لإنهاء دوره كقوة استراتيجية" في المنطقة.
 |
ما يحدث هو عملية تصفية منهجية لإمكانات العراق
|
ويرى أن عراقا متقدما "لن يكون مرغوبا على نطاق السياسة الجغرافية" ويربط ذلك بما يصفه بمخطط إعادة صياغة الشرق الاوسط " لتحويل المنطقة إلى دويلات صغيرة متناحرة تنفق كل مواردها على التسلح لتمويل الصراعات وتفقد طاقاتها البشرية في هجرة متواصلة للغرب الذي هو في حاجة إليها".
البحث عن الخيوط المتشابكة
يربط البعض بين هذه العمليات وما تعرضت له مكتبات ومعاهد علمية ومتاحف من عمليات حرق وتدمير ونهب بعد انهيار النظام السابق أثر دخول القوات الأمريكية إلى بغداد.
ويرى الدكتور سمير قلندر، أخصائي الأشعة الذي غادر بلاده تاركا عمله كرئيس قسم في مستشفى تعليمي تخصصي، أن ثمة "عملية إبادة للحضارة والثقافة والتاريخ وكل ما هو حي"، ويضيف أن "الانفلات الأمني وفقدان الدولة سيطرتها" فاقم المشكلة وأوقع مثقفي البلاد "تحت رحمة العصابات والجهات المتطرفة".
لكن ما يثير الحيرة أنه لا يبدو هناك طرف محدد له مصلحة في استهداف هذه الفئة، فقائمة الاتهامات تطول لتشمل جهات عديدة بينها:
"مسلحون متشددون" وهؤلاء جسد هلامي لا يمثل طرفا واحدا، وهم حسب متهميهم يريدون إيقاع المزيد من الخسائر وإحداث أكبر قدر من الفوضى.
تنظيمات طائفية هدفها تصفية الخصوم والمنافسين في جميع المجالات. والتنظيمات الطائفية قد تشمل جماعات مسلحة أو أحزابا أو ميليشيات.
جهات تستهدف الأساتذة الجامعيين السابقين (اثناء حكم نظام صدام حسين)، ومعروف في العراق إنه لم يكن ممكنا لأي أحد أن يكون أستاذا جامعيا، مهما كانت موهبته، ما لم يكن عضوا في حزب البعث الحاكم.
قوات الاحتلال ومخابرات أجنبية من دول مجاورة أو بعيدة.
 |
لا بد من لاستمرار في اشاعة الديمقراطية في النظام السياسي والاجتماعي
|
وحالات هدفها المال، إذ يطالب الخاطفون بفدية مالية قبل تنفيذ عمليات القتل.
في نظر الحسيني أن من يخطط لهذه العمليات ويستهدف هذه الفئة من العراقيين "جماعات منظمة أعضاؤها من عناصر الأجهزة القمعية السابقة للنظام السابق بالتعاون مع مسلحين أجانب وعراقيين".
بينما يقسم الربيعي مسؤولية استهداف الكفاءات المتميزة في المجتمع على عدد من الجهات التي تسعى إلى "تعطيل العمل الأكاديمي وقمع حرية التعبير وإعاقة تحقيق التقدم الاجتماعي والتكنولوجي".
ويشير الربيعي في هذا الصدد إلى قوى وأفراد من بقايا النظام السابق فقدت مواقعها ونفوذها، تقابلها قوى تطارد من كان له ارتباط مع ذلك النظام. وكذلك قوى دينية تسعى إلى فرض إيديولوجيتها إضافة إلى عصابات هدفها الابتزاز.
ويعود الجليلي إلى ربط أسباب ما يحدث بـ "من يسعى إلى تنفيذ خطة الشرق الأوسط الجديد".
نشاطات تضامن
شهد هذا العام نشاطات ورفعت خلاله مذكرات ووقعت عرائض من بين ذلك فعالية لمنظمة التعليم العالي العراقي في بريطانيا للتضامن مع اساتذة العراق، ومؤتمر مدريد الذي ركز على قتل العشرات من الأكاديميين وأعداد أكبر من العاملين في المجال الطبي، وقدم فيه الدكتور الجليلي ورقة مفصلة عن أعمال الاغتيال.
ويشير الجليلي في تقريرة إلى أن ان الجامعات هي الهدف الرئيسي إذ يتصدر اساتذة الجامعة عدد القتلى من ذوي الاختصاصات في الفترة بين أبريل/ نيسان 2003 إلى أبريل/ نيسان 2006، ويشكل هؤلاء نسبة 64 يليهم ذوي الاختصاصات الطبية في الجامعة وخارجها (نحو 21 بالمئة). ومعظم الضحايا أساتذة وغيرهم من الأكاديميين.
ويوضح التقرير في بياناته أن نحو ألف طبيب غادروا العراق بينما قتل نحو 220 طبيبا خلال الفترة نفسها.
ما الحل؟
إذا كان هذا واقعا أو شبيها به فكيف يمكن تلمس الحل؟
يشدد الدكتور الربيعي على أن الحل يفترض سلسلة من المهمات التي تبدأ باحكام سيطرة الدولة على الامن في الشارع العراقي والقضاء على العنف في البلاد مرورا بانتشار ثقافة احترام الرأي والرأي الاخر والالتزام بالمبادئ والقيم والاخلاق الوطنية والعالمية وانتهاء بضرورة اقتناع القيادات السياسية بمفهوم استقلالية الجامعة والحرية الاكاديمية ومراجعة مواقفها من حرية الفكر والتعليم الجامعي، ووإعادة النظر في اقحام السياسة والدين داخل المؤسسات التعليمية.
ويعتقد الدكتور الجليلي أن الأمر يتطلب "عملا مكثفا ودؤوبا" وتنسيقا تساهم فيه الأمم المتحدة والدول العربية والمنظمات الإنسانية والجهات المحلية. ويرى ضرورة أن ينتبه الإعلام لهذه المشكلة، فضلا عن تشكيل جمعيات تسعى الى توحيد الجهود.
طرق الجامعة محفوفة بالمخاطر
|
لكن الدكتور عباس الحسيني يقترح نقاطا عملية بينها إيقاف النشاطات السياسية والمذهبية في الجامعات وإسكان الاساتذة في مساكن تبنى قرب الجامعة وتكثيف الحراسة حول الجامعات والطرق المؤدية إليها، فضلا عن دعم العملية السياسية والاستمرار في دمقرطة النظام السياسي والاجتماعي إضافة الى الدعم المالي من المنظمات الدولية.
دوامة القتل
من السهل جدا في العراق اليوم أن توجه أصابع الاتهام إلى طائفة أو عرق أو حزب أو جماعة إذا استهدف طرف مقابل، لكن التهديد الذي يتعرض له الأكاديميون والمدرسون والعلماء والأطباء تهديد لديمومة المجتمع وتطوره، ما لم يتم إيقافه.
وربما عبر الطبيب العراقي الذي لم يرغب بذكر اسمه عن محنة هذه الفئة بالقول إن هناك حراسا لجميع المؤسسات التعليمية والصحية وغيرها، لكن من يضمن ألا يكون بين هؤلاء من ينتمي إلى هذه الجماعة المسلحة أو تلك الميليشيا؟