بلور نصر الله في خطابه مجموعة من المواقف السياسية عن الحرب واسبابها ونتائجها
|
تكرر مشهد "المظاهرة المليونية" الذي عرفه لبنان منذ عام 2005 بدءا بـ8 مارس/ آذار في مهرجان الوفاء لسورية الذي نظمه حلفاء دمشق، مرورا بـ14 مارس/ آذار الذي اعتبر مفصليا في اطلاق عجلة انهاء عصر التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، ومن ثم، في 14 فبراير/ شباط في الذكرى الاولى لاغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، وانتهاء بيوم الجمعة 22 سبتمبر/ ايلول مع تنظيم حزب الله لما سمي "مهرجان النصر الالهي" والذي ظهر خلاله علنا امين عام حزب الله حسن نصر الله للمرة الاولى منذ تاريخ بدء الحرب بين اسرائيل وحزب الله في 12 يونيو/ تموز 2006.
كما في كل المراحل التي عددناها، شكل تاريخ 22 سبتمبر/ ايلول محطة سياسية مهمة تتمثل اولا بالتحدي الامني الذي شكله ظهور نصر الله وسط بحر بشري على الرغم من التهديدات الاسرائيلية بتصفيته، وثانيا بالخطاب الذي القاه الامين العام لحزب الله لما يحمل هذا الخطاب من معان على صعيد قراءة حزب الله لمرحلة ما بعد حرب تموز 2006 على الصعيدين الاقليمي واللبناني في ظل انقسام سياسي حاد في لبنان بين فئة مؤيدة لحزب الله وسلاحه تعتبر انها انتصرت على اسرائيل، وفئة معارضة للحزب ترى ان الكلام عن تحقيق نصر ليس في مكانه لان لبنان تكبد خسائر كبيرة جدا كان يمكن تفاديها لو لم يقم حزب الله بأسر الجنديين الاسرائيليين في 12 تموز الماضي.
وبالفعل، بلور نصر الله في خطابه مجموعة من المواقف السياسية عن الحرب واسبابها ونتائجها، ولا تزال الساحة السياسية في لبنان في حالة ترقب واستشفاف لمعاني وابعاد ما جاء على لسان الامين العام لحزب الله، ما يدفع الى قراءة باردة لهذا الخطاب الساخن في الكثير من جوانبه.
بعد استراتيجي
وعن اهمية معاني الخطاب، يرى الكاتب والمحلل السياسي نصري الصايغ ان كلمة نصر الله لها طابع استراتيجي قبل كل شيء، لان الامين العام حرص علنا، على طرح الاسئلة التي تتردد اليوم داهل الساحة الاسرائيلية واهمها يتمحور حول عدم قدرة اسرائيل الانتصار على حزب الله على الرغم من كل الترسانة العسكرية المتطورة التي تمتلكها الدولة العبرية.
 |
تشكيل حكومة وحدة وطنية تخطى صفة المطلب ليصبح برنامجا سياسيا
|
ويقول الصايغ ان خطاب نصر الله "يعبر استراتيجيا عن واقع عسكري جديد"
يتمثل بانتاج الحرب الاخيرة نمطا جديدا ناجحا في العالم العربي وهو نمط "المقاومة"، بعد ان كانت كل تجارب الحروب العربية-الاسرائيلية منذ عام 1948 قد انتهت بخسارة الجيوش العربية.
ويعتبر الكاتب ان خطاب نصر الله يحمل جملة من التحذيرات اهمها افهامه خصومه السياسيين بان لا جدوى من محاولات نزع سلاح حزب الله لان هذا السلاح بوجهة نظر الكثيرين "جلب النصر الى لبنان خلال الحرب الماضية".
كما ان نصر الله، وبتركيزه على التزام القوات الدولية المهام المحددة لها يعني رفض اي محاولة انتشار لهذه القوات على الحدود اللبنانية السورية.
مشروع سياسي
كما يرى الصايغ ان الخطاب حمل مشروع حل سياسي على الصعيد الداخلي من خلال القول بانشاء الدولة "العادلة القوية المقاومة والموحدة" وعدم استثناء احد او اقصائه عن التمثل في الدولة.
تكرر مشهد "المظاهرة المليونية"
|
ويشير الصايغ الى ان الجديد في موقف حزب الله على الصعيد الداخلي هو ان تشكيل حكومة وحدة وطنية تخطى صفة المطلب ليصبح برنامجا سياسيا. ويعتقد المحلل ان ذهاب الحزب في هذا الاتجاه سيحرك مبادرات عربية واقليمية وداخلية لاتمام هذا الامر على قاعدة اقامة سلطة متوازنة.
وعن تفسيره مطالبة حزب الله بتغيير الحكومة بينما يتمثل فيها بوزيرين اشار الصايغ الى ان "اقصاء حزب الله عن الحكومة هو مطلب امريكي، وان الحزب يبقى في الحكومة لعدم السماح بتنفيذ هذا المطلب".
اعادة تموضع
وحول النبرة العالية للخطاب التي تمثلت بالكشف عن امتلاك حزب الله اكثر من 20 الف صاروخ، وبانتقاد لاذع جدا للانظمة العربية وبلهجة داخلية قاسية وصلت الى الطلب من النائب اللبناني وليد جنبلاط الاعتذار لقوله ان "حزب الله حزب شمولي وان جمهور الاحزاب الشمولية جمهور بدون تفكير"، قال نصري الصايغ ان الهدف من هذه اللهجة افتعال دينامية جديدة من اجل اعادة تموضع للقوى الداخلية في لبنان على قاعدة "تعالوا لنجلس سويا من اجل اعادة بناء دولة حقيقية"، خاتما كلامه بالاشارة الى ان التوجه الى الداخل بهذه الطريقة هدفه احتواء الجمهور وحصر السجال ضمن حدوده وادبياته السياسية من اجل تجنب اي انفلات من اي نوع.
ولكن هذه القراءة لخطاب نصر الله تقابلها اخرى، تتفق مع الاولى حين يتعلق الامر بالتطمينات التي اطلقها الامين العام، اذ ان القراءة الثانية التي يمكن وصفها بالتشكيكية ترى الامور من زاوية "صعوبة قبول حزب الله بقيام دولة لا تتبنى استراتيجيته".
 |
عدم تطرق نصر الله لاتفاق الطائف يطرح تساؤلات جدية عن نوايا مضمرة لتغيير النظام
|
ويرى الصحفي والمحلل السياسي عقاب صقر ان كلام نصر الله في المهرجان الاخير جاء مطمئنا في بعض جوانبه حين تطرق الى الحديث عن الحوار كمدخل للحل على الصعيد الداخلي.
انقسام سياسي لا طائفي
واعتبر صقر ان هناك ايجابية كبيرة في اصرار نصر الله على تصوير المشهد الداخلي على انه انقسام سياسي لا انقسام طائفي بقوله ان في خط مؤيدي حزب الله، وخط معارضيه هناك سنة وشيعة ودروز ومسيحيين.
كما انه رأى ايجابيات اخرى في الكلام عن ضرورة مشاركة كل الاطراف في الحكم ما يعني، وعلى الاقل ظاهريا، رفض استبعاد اي من الاطراف السياسية الاساسية عن السلطة ورفض اي من هذه الاطراف الاستفراد بالسلطة.
الا ان صقر يرى ان في الخطاب الذي اطلقه نصر الله ما يدعو الى القلق لانه يفسر المعادلة من خلال انتصار فريق داخلي وهزيمة الآخر بقوله ان "من يعتبر انه هزم يتحدث عن الهزيمة ومن يشعر ان مشروعه انتصر يتحدث عن النصر".
جانب تخويني
ويرى صقر ان الخطاب يتضمن جانبا تخوينيا مضمرا حين جاء على الشكل التالي: "انا اقول للامريكي عليك ان توجه كتاب قدح وذم لكتبة التقارير الكاذبين الذين يرسلون اليكم معلومات خاطئة تبنون عليها حسابات خاطئة".
الجانب الآخر الذي يدعو للقلق حسب صقر هو انقضاض حزب الله على الحكومة اللبنانية بهذا الشكل والمطالبة بتغييرها قبل اكتمال موضوع انجاز المحكمة الدولية في اغتيال الحريري.
كما ان صقر يضيف ان كلام نصر الله عن بناء الدولة لم يأت على ذكر اتفاق الطائف التي قامت الدولة على اساسه بعد الحرب اللبنانية، ما قد يشير حسب تعبير المحلل الى ان حزب الله "لن يقبل الا بقيام الدولة التي يريدها هو، ما يطرح تساؤلات جدية عن نوايا مضمرة لتغيير النظام القائم في لبنان".
كلام نصر الله في المهرجان الاخير جاء مطمئنا في بعض جوانبه
|
التباس
ويعتبر صقر ان كلام نصر الله عن قرار مجلس الامن الدولي رقم 1701 الذي اتاح للقوات الدولية المجيء الى لبنان هو كلام ملتبس حين يحذر القوات الدولية قائلا: "لقد رحبنا بكم ومهمتكم مساندة الجيش اللبناني وليس التجسس على حزب الله او نزع سلاح المقاومة، ولكن حتى الآن لم اسمع من اي دولة انها ارسلت جنودها للدفاع عن لبنان، يخجلون بنا ولكنهم يتحدثون عن الدفاع عن اسرائيل".
وفي اهمية الخطاب على المستوى الداخلي، يرى صفر ان كلام نصر الله مفصلي لانه يرسم المشروع السياسي الداخلي لحزب الله استنادا الى نتائج حرب تموز. ويختصر الصحفي هذا المشروع في ثلاثة نقاط هي اولا رفض حزب الله التخلي عن سلاحه، ثانيا اقامة الدولة التي يريدها حزب الله ويبدأ هذا المشروع بالاطاحة بالحكومة الحالية، ثالثا ان حزب الله هو الذي يحدد استراتيجية الدولة الدفاعية تجاه الخارج ويحدد كذلك ملامح الدولة على الصعيد الاقتصادي والاعماري والامني.
الحملة على الحكومة
ويختم صقر تعليقه على الخطاب بالقول ان النبرة العالية للخطاب تستند اولا الى قوة السلاح الذي يمتلكه حزب الله وهو اكثر فعالية من سلاح الدولة، والى المال الطائل الذي صرفه الحزب مساعدات للمتضررين بسرعة فاقت بكثير سرعة صرف الدولة للمساعدات، بالاضافة الى امتلاكه شبكة تحالفات داخل السلطة تبدأ برئيس الجمهورية اميل لحود الذي يتمسك به الحزب مرورا بالحليف الشيعي رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يضع الحكومة في موقف بالغ الحرج واستهداف يومي لها يهددها بالسقوط ويجعلها في حالة انعدام وزن ويشل قدرتها على المبادرة.
تختصر هاتان القراءتان لخطاب حسن نصر الله الاختلاف الحالي في لبنان على مواضيع مفصلية واساسية رتبتها حرب تموز على الواقع السياسي والاجتماعي الداخلي.
ولكن الاساس يبقى ان خطاب الامين العام فتح الباب على مصراعيه امام مرحلة سياسية داخلية جديدة ومعقدة ستحاول خلالها الحكومة وحلفاؤها في الداخل والخارج الحفاظ على مكتسباتها من اجل انجاز مشروعها السياسي، بينما سيحاول حزب الله وحلفاؤه في الداخل والخارج افتعال اعادة تموضع داخلية جديدة وفقا للمتغيرات الاستراتيجية الناتجة عما سمي "نصرا الهيا".