|
عمر عبد الرازق
بي بي سي - واشنطن
|
بعد 9/11 توجهت الأنظار أكثر إلى المسلمين داخل أمريكا
|
على مشارف العاصمة واشنطن دي سي وفي منطقة فولز تشيرش بولاية فيرجينيا، يقع مركز دار الهجرة الإسلامي، تختلف نوعية المصلين هنا عن الذين يتجهون للصلاة في المسجد المركزي بالعاصمة واشنطن.
يتدفق على المسجد عشرات المسلمين من أصول شتى ولا يشعرون أن عليهم مهمة تقديم خطاب سياسي متودد أو مهادن إلى الإعلام أو الحكومة في الذكرى الخامسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ، بل أن محاولاتنا لحضور الصلاة كادت تبوء بالفشل لولا تدخل إمام المسجد الشيخ شاكر السيد، الذي تساءل: لماذا هذا التركيز الإعلامي على المسلمين وأماكن عبادتهم في هذا الوقت بالذات؟
قد يكون السؤال مبررا، فتعداد المسلمين في المنطقة المحيطة بالعاصمة قفز إلى حوالي ربع مليون نسمة في الآونة الأخيرة بينهم المسلمون الأفارقة ومعتنقو الإسلام، حسب إحصاءات أعدتها جامعة نيويورك.
كما أصبح الإسلام والمسلمون حديث الساعة في الإعلام وعلى ألسنة الساسة في الولايات المتحدة، ضمن حملة التعبئة في الحرب على الإرهاب.
ولا تخلو الموضوعات التي تتناول العرب والمسلمين من تنميط يجعل كل عربي أو مسلم يشعر وكأنه في بؤرة الضوء. وإذا كانت جهود الأجهزة الأمريكية لمكافخة الإرهاب مسلطة قبل 9-11 على الخارج فإنها باتت تركز بعد ذلك التاريخ على الداخل أيضا، فعرفت الحياة الأمريكية قوائم الترقب في المطارات وبرامج التنصت الداخلي ومراقبة الحسابات المصرفية.
خطيب الجمعة الماضية في دار الهجرة كان الأكاديمي الفلسطيني عبد الحليم الأشقر الذي رجا المصلين قبل أن يختم خطبته، الدعاء له "لأن هذه هي آخر خطبة لي قبل أن أمثل للمحاكمة".
وذكر الأشقر بما حدث لعدد من المسلمين الذين أدينوا مؤخرا وأبزرهم على التميمي وأسعد جنديه، وقد حكم على الأول وهو عالم عراقي مختص بأبحاث السرطان أدين بتشجيع الشبان المسلمين في أمريكا على السفر إلى أفغانستان والقتال إلى جانب طالبان.
أما الثاني فهو باكستاني الأصل وقد صدر عليه حكم بالسجن لمدة 15 عاما من محكمة في الأسكندرية قبل حوالي أسبوعين.
و تتضمن الاتهامات الموجهة إلى الأشقر، عرقلة العدالة ودعم الإرهاب، وقد يواجه في حال إدانته حكما بالسجن مدى الحياة.
ممنوعات
 |
سلطات الأمن عرضت علي كل المغريات لكي أقدم شهادة ضد من يريدون
|
قبل أن نبدأ التسجيل قال الأشقر " أنا رهن الإقامة الجبرية في منزلي ولا يسمح لي بالخروج إلا لصلاة الجمعة وأنا أجلس معك هنا يوجد في قدمي جهاز لمراقبتي، كما تحدد أجهزة الأمن أماكني عن طريق جهاز GPS، أحمله معي".
يقول الأشقر إن الاتهامات الموجهة إليه تعود إلى عام ثلاثة وتسعين منذ قدومه إلى الولايات المتحدة، وقد كانت الاتهامات إليه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر تتلخص في احتقار المحكمة ورفض الشهادة وقد اعتقل على هذا الأساس.
" كنت تحت الرقابة منذ قدمت بهدف جمع المعلومات والمخابرات فقط، لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبعد أن اعتبرت الحكومة الأمريكية حماس منظمة إرهابية، وجهت إلي الحكومة تهما أخرى وبناء على المعلومات التي جمعتها عني قبل ذلك التاريخ لتدينني بها".
ورغم ذلك لم يتوانى الأشقر في خطبة الجمعة عن انتقاد الحكومة الأمريكية وما سماه بـ "اللوبي الصهيوني" وقال في مقابلة مع بي بي سي "إن سلطات الأمن عرضت علي كل المغريات الممكنة من وظيفة أو جنسية أو أموال لكي أقدم شهادة ضد من يريدون وقلت لهم : لا أستطيع، أفضل الموت على أن أكون خائنا ضد شعبي وضد قضيتي والعاملين من أجل القضية الفلسطينية".
ولا تقتصر الصورة النمطية التي يعاني منها العرب والمسلمون على تيار النشطاء الذي لا يخفي توجهه، لكنها تشمل أشخاصا عاديين، يشعرون بها في أماكن ومرافق عامة، عندما يعرفون من وجوهم أو هوياتهم.
هذه الظاهرة تهدد إلى دفع العرب والمسلمين هنا إلى العزلة، فحين تتوجه إلى المقاهي العربية أو التي يؤمها عرب في منطقة سكاي لاين او في منطقة البنتاجون، ستجد العرب أنفسهم يتحدثون عن الوطن لكنهم عندما يقولون ذلك لا يقصدون أمريكا، وأحيانا يقطع الصمت الكلام ليتساءل البعض "هل ما نقوله مجرم في القانون؟ من يعلم".
محمد مسعود، مصري أمريكي يعيش هنا منذ اثنين وعشرين عاما، لم يتعرض لتجربة شخصية مريرة بعد الحادي عشر من سبتمبر كما يقول، لكن ما يؤرقه هو الصورة المسبقة عن أمثاله في الإعلام وفي الشارع الأمريكي.
يقول مسعود " هناك مراقبة كبيرة في الشارع الأمريكي، فالحساسية أصبحت عالية جدا، شكلك ملفت ومنذر في الشارع إذا كان معك صحيفة عربية أو إذا أردت الوقوف في رحلة جوية لإراحة قدميك أثناء سفر طويل، الأمريكان شعب عظيم جدا لو أتيح لهم الفرصة لمعرفة الحقيقة، لكن الجناح المتطرف في الحكومة يقدم للناس الصورة التي يريدها".
الصورة النمطية التي يعاني منها المسلمون دفعتهم الى العزلة
|
"لو اسمك محمد أو أي إسم ليه علاقة بالإسلام، الناس بتبصلك، مش هتلاقي شغل مريح، ومش هيقولولك إننا مش عايزينك علشان اسمك، سيعطونك سببا، باختصار في أماكن كثيرة بتحس إنك منبوذ في بلد المهاجرين من كل أهل الأرض".
بعض من التقيناهم أقروا أنهم توقفوا عن التبرعات التي كانوا يقدمونها لجمعيات خيرية ذات طبيعة إسلامية بسبب ما يترتب عن ذلك من متاعب غير متوقعة ، أما الشكوى الكبرى التي ناقشتها منظمات معروفة مثل اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية "كير" ، فتتعلق بقوائم الممنوعين من السفر والذين وضعت أسماءهم على قوائم الترقب، فهؤلاء وكثير منهم عرب ومسلمون يخضعون لإجراءات تفتيش وتدقيق خاصة.
وفي الآونة الأخيرة أجبر شاب عربي أمريكي على خلع قميص يحمل كتابة عربية أثناء سفره في رحلة داخلية لأن بعض المسافرين شكوا في هيئته.
بعض الخير
جيمس زغبي أحد أبرز وجوه المجتمع العربي في أمريكا ورئيس المعهد العربي الأمريكي، تعرض شخصيا لمحاولات اعتداء بعد هجمات سبتمبر، حين سألته عن التجاوزات التي تقع من أجهزة تطبيق القانون ضد بعض العرب قال " إن أجهزة تطبيق القانون تسعى دائما للتجاوزات وللحصول على صلاحيات إضافية لكي تعمل بسهولة، لكن البعض لا يدرك أن لدينا فصل بين السلطات المختلفة هنا في أمريكا، وفي نهاية المطاف نرى الكونجرس والشعب والمحاكم تتصدى لهذه التجاوزات، كما حدث مع قانون الحماية الوطنية الذي أقر وبعد ذلك أوقف العمل به".
"لقد توقعنا تجاوزات من أجهزة الأمن لكن هناك قوى أخرى في البلاد تتصدى لذلك ونعود إلى خط الأعداء".
وقد تعرض زغبي نفسه لمحاولات اعتداء بعد 11 سبتمبر، لكنه يقول " لقد خلق الحادي عشر من سبتبمر مخاوف جديدة لكنه خلق فرصا جديدة للعرب الأمريكيين، العرب الأمريكيون يصوتون الآن بشكل أكبر، ويتبنون قضايا ويدافعون عنها بشكل أكبر، حتى في ظل الخوف نحن نفعل أكثر ونكسب مزيدا من الاحترام ومزيدا من المؤيدين، لقد تغلبنا على الخوف وتجاوزناه".
قد يكون كلام زغبي محل نقاش في الأوساط العربية والإسلامية هنا، لكن ما يشدد العرب والمسلمون الأمريكيون عليه هو ما يعتبرونه حقيقة مؤكدة مفادها أن أيا منهم لم يتورط في هجمات سبتمبر أو يتحمل مسؤولية مباشرة عنها، وأنهم لذلك لا يجب أن يدفعوا ثمن خطأ لم يرتكبوه. لكن خمس سنوات لا تبدو كافية لتجاوز ما حدث.