Skip to main contentAccess keys helpA-Z index

آخر تحديث: الأربعاء 01 فبراير 2006 21:14 GMT
دلمون: "أرض الحياة" التي قصدها جلجامش باحثا عن نبتة الخلود

خليل عثمان
بي بي سي - المنامة‏

تعتبر البحرين مركزا لإحدى أقدم الحضارات البشرية التي عرفها ‏التاريخ، وهي حضارة دلمون، والتي امتدت لتشمل مناطق مجاورة في ‏شرقي الجزيرة العربية وجزيرة فيلكا في الكويت.‏

معبد في دلمون
تتجلى دلمون كموطن للآلهة في بعض أساطير الرافدين

وتحتل دلمون مكانة فريدة في معتقدات وأساطير سكان بلاد ما بين ‏النهرين.‏

‏"بلد مقدس"‏

‏"مقدسة هي المدينة التي مُنِحَت لكم، ومقدس بلد دلمون، بلد دلمون مقدس، بلد دلمون نقي، بلد دلمون مغمور بالنور، متميز بالإشعاع."‏

هذه السطور التي تختزن معاني الطهر والقداسة والنور هي غيض من ‏فيض من الأوصاف التي وُصِفَت بها دلمون في ملحمة جلجامش ‏البابلية والتي تعد من أشهر الأساطير القديمة.‏

فدلمون كانت جزيرة تتمتع بمكانة خاصة بالنسبة لسكان الرافدين ‏القدماء حيث ارتبط اسمها بالحياة وفكرة الخلود، كما يقول الباحث ‏الأثري البحريني علي أكبر بوشهري.‏

ويوضح قائلا: "حضارة دلمون واحدة من أقدم الحضارات التي ‏عرفتها البشرية".‏

ويشير بوشهري إلى أن إسم دلمون سومري الأصل. ويضيف: "بعد ‏دلمون سميت بـ"نيتوكي". دلمون يُقصَد به، أي معناه، أرض الحياة، ‏أو جزيرة أرض الحياة. نيتوكي يُقصد به الأرض التي توجد في ‏مشرق الأرض"‏

سمات الحضارة الدلمونية

وتتجلى دلمون كموطن للآلهة في بعض أساطير الرافدين.‏

ويمكن، رغم قلة ما يعرفه المؤرخون عنها، تحديد بعض معالم ‏الحضارة الدلمونية.‏

عن هذه السمات يقول بوشهري: "حضارة دلمون معروفة بسمات ‏عديدة أهمها ثلاث. كانت حضارة تستند إلى التجارة الدولية بإستيراد ‏وتصدير بضائع من مناطق متعددة إبتداءا من شرق الهند وباكستان ‏إلى العراق وتركيا وسورية ومصر. إضافة إلى أن العقائد الدلمونية، ‏أي ديانتهم، كانت استثنائية من حيث أن أهم الآلهة كانت امرأة، هي ‏إلهة الخلود. ودلمون مع صغر حجمها تأثرت بالحضارات العظيمة ‏حولها إلا أنها أثرت كذلك بحضارات أخرى."‏

ومع كل هذه الصلات والوشائج التي ارتبط بها سكان دلمون ببلاد ‏الرافدين، فإن بوشهري يؤكد أن التركيبة العرقية لسكان دلمون كانت ‏مختلفة عن الشعوب المجاورة.‏

ويقول: "لا نعرف أي شيء عن تركيبة سكانها العرقية".‏

ولكن هناك من المعلومات ما يوحي بأنهم كانوا مختلفين عن سكان ‏المناطق المجاورة.‏

ويشير بوشهري إلى أن ما هو معروف عن سكان دلمون هو "أنهم ‏كانوا سُمُر البشرة، وشعرهم أسود، وأطول قامة من شعوب الرافدين، ‏شعوب تركيا، والشعوب التي كانت موجودة في وادي الشام، ‏والفراعنة".‏

عشبة الحياة

وتقول الأساطير السومرية إن جلجامش توخى من خلال رحلته إلى ‏دلمون الحصول على عشبة تجديد الحياة التي أينعت في قاع بحرها، ‏سعيا منه لتفادي المصير المحتوم المتمثل بالموت والفناء.‏

علي أكبر بوشهري
حضارة دلمون واحدة من أقدم الحضارات التي ‏عرفتها البشرية
علي أكبر بوشهري

ولا غرابة أن يقصد جلجامش دلمون في سعيه هذا، فدلمون كانت ‏بالنسبة للسومريين بمثابة الفردوس وموئل الخلود.‏

ويوضح علي أكبر بوشهري عقيدة دلمون بالخلود قائلا: "سكان دلمون ‏كانوا يعتقدون بتعدد الآلهة. إلا أن الجانب الجذاب في العقيدة الدلمونية ‏هو أن أهم الآلهة عندهم كانت إمرأة، وهي إلهة الخلود".‏

ويمضي إلى القول: "ومعظم الرموز الموجودة على أختام دلمون ‏يرمز إلى إلهة الخلود".‏

الجنس كوسيلة للخلود

وهذا الموقع المركزي لفكرة الخلود في الديانة الدلمونية يفرد أيضا ‏للجنس حيزا في منظومة المعتقدات التي آمن بها سكان دلمون.‏

ويقول بوشهري: "لأن إلهتهم الأولى هي إلهة الخلود، فيجب أن يكون ‏الجنس مرتبطا بهذه العقيدة، لأن الخلود يُرمَز إليه أو دليله هو التكاثر، ‏والتكاثر لا يكون إلا عن طريق العلاقة الجنسية".‏

ويتابع: "فأحد رموز إلهة الخلود هي العملية الجنسية أو التكاثرية. ‏وحتى عُثِر على عدة رموز ترمز إلى الجهاز التناسلي للرجل في معبد ‏من معابد البحرين".‏

ولكن إيمان الدلمونيين بالخلود لم يستبطن أيضا اعتقادا بخلود الفرد، ‏حيث إنهم آمنوا بخلود الحياة البشرية وليس الفرد من بني البشر.‏

ويقول بوشهري: "لم يعتقدوا بأن الإنسان ممكن أن يكون خالدا".‏

ويردف قائلا: "وإعتقادهم ... هو بأن الإنسان ممكن أن يخلد من خلال ‏أبنائه وليس هو. هو يموت، ولكن أبناءه يستمرون من بعده".‏

المقابر الدلمونية

وجلجامش نجح حسب الأساطير السومرية بالحصول على نبتة الحياة، ‏إلا أن الحية، رمز الشر، ما لبثت أن سرقتها منه، فخاب فأله في ‏التخلص من الموت.‏

وبما أن المقابر والموت صنوان، يبقى أن نشير إلى أن أبرز ما يميز ‏الآثار الدلمونية حاليا هو المقابر التي تضم الآلاف من القبور التي على ‏أشكال تلال.‏

ويقول بوشهري: "القبور كانت على أشكال تلال، يُدفَن الميت في ‏وسطها، ميت أو أكثر، ثم يُهال عليه الرمل والأحجار على شكل ‏تلال".‏

ولكن بوشهري ينفي أن تكون للقبور التي على شكل تلال أية دلالات ‏أو رمزية.‏

ويقول: "هي، أي القبور، فقط هيئة من الهيئات. ليس هناك أي أهمية ‏بأنها كانت فوق الأرض أو تحت الأرض. الدلمونيون كانت لهم قبور ‏حتى محفورة في الأحجار تحت الأرض".‏

مقابر دلمون على شكل تلال
أبرز ما يميز ‏الآثار الدلمونية حاليا هو المقابر

ويستدرك قائلا: "لكن ما يميزهم بأن قبورهم كانت على شكل تلال ‏مثلما الفراعنة قبورهم على شكل اهرامات".‏

مخاطر العمران

الأساطير السومرية وصفت دلمون بكونها "أرض الخلود التي لا يوجد ‏فيها مرض أو موت أو حزن". ولكن هناك قدرا من الحزن والأسى ‏حاليا في البحرين على مصير الآثار الدلمونية التي امتدت إليها عوادي ‏الحضارة الحديثة لتزيل الكثير منها.‏

ويعرب بوشهري عن أسفه لأن "معظم التنقيبات التي تُجرى في ‏البحرين تنقيبات إنقاذية. فالعمران يتوسع ويبدأون في إزالة المناطق ‏الأثرية لبناء البيوت".‏

ويبث الشكوى قائلا: "العملية زادت عن حدها. في البداية، قبلنا بالأمر ‏الواقع. حاليا، هذا الأمر غير مقبول، لأنه لم يبقَ إلا القليل، القليل، ‏القليل، النادر، من الآثار الدلمونية، والآثار الإسلامية".‏

ويصف إزالة الآثار لبناء البيوت بأنها "أصبحت أمرا غير معقول".‏

ويردف قائلا: "التنقيبات التي تجريها وزارة الإعلام البحرينية معظمها ‏تنقيبات لا يُنشَر عنها أي شيء. أنا كباحث أستند على تقارير أثرية ‏نشرها الأجانب، لأن منقبي وزارة الإعلام لا ينشرون التقارير عن ‏المواقع الأثرية التي نقبوا فيها".‏

وبوشهري ليس وحده من يقرع ناقوس الخطر الذي يداهم كنوز دلمون ‏الأثرية.‏

ففي رسالة بعث بها إلى وزير الإعلام البحريني، وحصلت بي بي سي ‏على نسخة منها، أهاب الاتحاد العام للآثاريين العرب بالحكومة ‏البحرينية المحافظة على مقابر منطقة عالي الأثرية "والتي تكتنز في ‏جوفها كنوز الماضي وعراقة مملكة البحرين حيث نما إلى إدارة ‏الاتحاد أن هناك بعض المشاريع المزمع إقامتها على هذه المنطقة ‏الأثرية الهامة، وهذا لا يتوافق مع عراقة مملكة البحرين التاريخية ‏والأثرية"، وفقا لنص الرسالة.‏

ومن خلال حزن بوشهري، الباحث الأثري البحريني المعاصر، على ‏زوال الآثار الدلمونية واندثارها أمام زحف العمران تتردد من أعماق ‏التاريخ أصداء ذاك الحزن الدفين حيال فناء الأشياء، حيث يقول ‏جلجامش:‏

‏"في مدينتي يموت الرجل كسير القلب، يقضي الرجل حزين الفؤاد.‏ أنظر من فوق السور فأرى الأجداث الميتة طافية في النهر، وأرى أني سأغدو مثلها حقا.‏ فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولا ومهما اتسع لن يطغى الأرض عرضا".‏




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com