Skip to main contentAccess keys helpA-Z index
BBCArabic.com
آخر تحديث: الأربعاء 08 فبراير 2006 19:37 GMT
الزواج العرفي: بحث الشباب عن شرعية لعلاقات محرّمة

كارين طربيه
بي بي سي _ لندن

"كتبنا ورقة ووقّعنا عليها بحضور شاهدين. قلت له: "زوجتك نفسي" وأجاب:" أنا قبلت"، وبتنا زوجا وزوجة لا يعرف بأمرنا سوى الله!"

تلك القصة هي من وحي الواقع، تتكرّر بشكل ملحوظ لتعبّر عن "حالة اجتماعية" ‏بكل المقاييس. إنها قصة من "أساطير" الزواج العرفي الذي اكتسب بعداً كبيرا يخترق المجتمع المصري في صميم قاعدته، بعد انتشاره بشكل ملحوظ ‏جدا بين صفوف الشباب.‏

جسر 6 أكتوبر على النيل
الصداقات الحميمة بين الشباب لا تزال من المحرّمات في مصر

والمفارقة الكبرى التي تواجه كل من يحاول البحث في هذه الظاهرة ‏القديمة الجديدة هي في أنها حاضرة بقوة على كل لسان في ظل استحالة ‏تحسسها عن قرب بعيدا عن الخطاب النظري.‏

فقلما تتحدث إلى مصري ولا يخبرك عن حجم هذه الظاهرة بين الشباب ‏لا سيّما في الجامعات، حيث جميع الطلاب يعرفون "أصدقاء لهم متزوجين ‏عرفيا"، ووقت الجد، لا أحد يقرّ بأنه معني مباشرة في الموضوع: ‏فالصفة الأساسية لهذا النوع من الزواج هو أنه سريّ!‏

ولا يُعتبر الزواج العرفي جديدا في المجتمع المصري غير أن انتشاره ‏بين الشباب في السنوات الأخيرة هو الذي يجعل منه "ظاهرة"، وإن كان ‏البعض يتحفظ على هذه الصفة لغياب البيانات والأرقام الرسمية.‏

والزواج العرفي المُنتشر هو عبارة عن ورقة يوقّّع عليها الطرفان ‏برضاهما، وبحضور شاهدين، على أن يحتفظ كل طرف بنسخة من العقد ‏الموقّع.‏

إلا أن ظاهرة الزواج العُرفي بين الشباب لا تقتصر فقط على مصر بل هي تتعداها لتبرز في عدة مجتمعات عربية أخرى كالأردن وسوريا والأراضي الفلسطينية وغيرها، حيث يتشارك الشباب الثقافة الاجتماعية ذاتها وتحديات الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وفي هذا الإطار تتكرّر القصص والمأساة ذاتها التي قد تؤدي إلى "أزمات إجتماعية" تصل في بعض الأحيان إلى ارتكاب ما يُسمّى بجرائم الشرف.

وقد تكون "سهولة" الزواج العرفي الذي لا يحتّم أي مسؤوليات ولا تنتج عنه ‏أية حقوق معنوية أو مادية هو ما يجعله مغريا للشباب، الذين يلجؤون ‏إليه ليهربوا غالبا من الأوضاع الإقتصادية، ويتمكنوا من بناء علاقة ‏تحت غطاء شرعي، في ظل رفض المجتمع لعلاقات الصداقة الحميمة ‏المعهودة في الدول الغربية.‏

وتقول نجوى فوال، مديرة مركز البحوث الجنائية والاجتماعية في ‏القاهرة: "نحن نتحدث هنا عن مناخ يائس بسبب خلل ما يمنع هؤلاء ‏الشباب من توفير أُسس الحياة السليمة. فالشباب في مرحلة الجامعة وما ‏بعد التخرّج، يعيشون في حالة من عدم اليقين لأن المستقبل بالنسبة لهم ‏غامض. الزواج مكلف جدا ومتطلباته تفوق قدرات الشباب الذين على ‏الأرجح لن يجدوا عملا بعد تخرّجهم فلذلك يتجهون نحو الزواج العرفي".‏

زواج أم علاقة؟

عمليا، الزواج العرفي أقرب إلى مفهوم "العلاقة الحميمة" منه إلى الزواج ‏ومفهوم الارتباط.‏

ففي حالة الشباب، غالبا ما يتم هذا الزواج دون معرفة الأهل الذين (من ‏ناحية الفتاة) قد يرفضون العريس بسبب أوضاعه المالية. ويتقابل ‏الزوجان بشكل مخفي ولمدة ساعات بحسب الهامش المُمكن تأمينه، وعلى ‏سبيل المثال أثناء الحصص الدراسية في الجامعة. وبالتالي يعيش كل ‏منهما في منزله وغالبا ما يحافظان على نمط حياتهما الطبيعي دون ‏إدخال أي تعديل ظاهري عليه.‏

وبالتالي لا يرتقي مفهوم الزواج في هذه الحالة إلى فكرة المؤسسة وهو ‏لا يعني حياة مشتركة.‏

وفي معظم الحالات يلتقي الزوجان لساعات محدّدة وأحيانا على فترات ‏متباعدة في شقق مؤجرة أو في منزل أحد الأصدقاء الذين غالبا ما ‏يكونون من الطلبة الذين يعيشون بمفردهم.‏

‏وتكشف هذه النقطة الأخيرة عن بُعد آخر في الزواج العرفي بين ‏الشباب. ‏

فهم وبحسب عالمة الاجتماع عزة كريّم يسعون لإضفاء صفة شرعية ‏على زواجهم ولذلك لا يخفونه كليا بل يعلنون عنه فقط بين الأصدقاء، ‏دون إخبار الأهل أو إعلانه على الملأ.‏

أرقام سوداء

وحيث أن هذا الزواج غير مُشهر إلا بين الأصدقاء في بعض الحالات، ‏فإمكانية إجراء أي إحصاءات بشأنه تُصبح صعبة للغاية.‏

يقولون إننا نضحك على أنفسنا ولكن ما عسانا نفعل!
هند الحناوي

وهذا ما قد يفسّر غياب أية أرقام أو بيانات متعلّقة بموضوع الزواج ‏العرفي في مصر لأنه وكما تقول فوّال: "نحن نتكلّم هنا عمّا يُسمّى ‏بالـ"أرقام السوداء" لأن ما من أحد يصرّح بهذه الحالات سوى للأصدقاء ‏المقرّبين أو بعد الدخول في أزمة ومشاكل".‏

والأرقام الوحيدة المتوفرة في هذا الإطار هي الأرقام الخاصة بقضايا ‏إثبات النسب في محاكم الأسرة، وهي لا تشكّل إلا نسبة صغيرة من ‏الحجم الحقيقي لهذه الظاهرة، وليست كلها متعلّقة أصلا بقضايا الزواج ‏العرفي.‏

علاقة طرفين ومشكلة الفتاة

فالإشكالية الكبرى لهذا النوع من الزواج تكمن في مشاكله وعواقبه والتي ‏تتحمّلها الفتاة فقط في معظم الحالات.‏

فسهولة هذا الزواج تنطبق أيضا على سهولة إنكاره. كثيرة هي تلك ‏الحالات التي تنشرها الصحف وتعرضها محطات التلفزيون حيث تُخبر ‏فتيات دون الكشف عن أسمائهن عن المشاكل التي تعرّضن لها من جراء ‏هذا الزواج كرفض الزوج الطلاق أو سرقة نسخة العقد الخاصة بالفتاة ‏وإنكار الزواج من الأصل وُصولا إلى عدم الاعتراف بالطفل في حالة ‏الحمل.‏

هذه الظاهرة خلقت عددا من المشاكل الاجتماعية في ظل رفض المجتمع ‏لهذا النوع من الزواج واعتباره خارجا عن القانون وعن السياق ‏الاجتماعي المقبول، وهو ما سمح بانتشار الأطباء الذين يجرون عمليات ‏تسمح للفتيات باسترجاع عذريّتهن "لإزالة آثار الزواج العرفي"، بحسب ‏ما تقوله السيّدة كريّم.‏

ولا يقتصر الموضوع على المشاكل القانونية والاجتماعية فقط بل يطال ‏أيضا الحالة النفسية للفتاة.‏

وتقول أمل عبد الحميد المحامية في مركز النديم لتأهيل المرأة: "تلجأ ‏فتيات كثيرات إلى المركز لتلقي العلاج بسبب الضغوط الكبيرة التي ‏يتعرّضن لها. فالفتاة التي تتزوج عرفيا تعيش في حالة اضطراب نفسي ‏كبير بل هي تعيش في رعب مستمر خوفا من أن يكشفها أهلها. وفي ‏حالة معرفة الأهل، تصبح المشكلة في كيفية احتواء الموضوع دون ‏معرفة المحيط القريب والبعيد".‏

قضية هند الحناوي

وتكاد تكون الحالة الوحيدة التي كسرت جدار المحرّمات في هذا الإطار ‏في مصر هي قضية هند الحناوي التي تقول إنها تزوّجت من ممثل ومقدم ‏برامج مشهور في مصر هو أحمد فاروق الفيشاوي وحملت منه وهو ما ‏ينكره الفيشاوي.‏

هند الحناوي وابنتها لينا
تقول هند إنها ستجعل من حرية المرأة ومن إثبات النسب قضيتها في المستقبل

وقضية هند شغلت الوسط الصحفي منذ حوالي السنتين ولا تزال تتفاعل ‏أمام المحاكم بعد أن رفعت قضية إثبات نسب لإجبار الفيشاوي على ‏الاعتراف بأنه والد ابنتها لينا، وكانت آخر فصولها في الأسبوع الماضي ‏عندما رفضت المحكمة القضية عقب رفض الفيشاوي إجراء فحص ‏الحمض النووي الوراثي (الدي.أن. آي.)‏.

وهند لا تملك أصلا نسخة عن عقد الزواج بعد أن أعطتها لزوجها السابق ‏ليحضر شاهدا آخر يوقّع عليها ولم يردها إليها، كما تدّعي.‏

يُذكر في هذا الإطار أن القانون المصري أدخل تعديلا مكّن بموجبه ‏الزوجة من رفع قضية طلاق في حالة الزواج العرفي بمجرّد وجود ‏ورقة إثبات لهذا الزواج، بعد تزايد حالات إنكاره.‏

غير أن هذا التعديل وإن كان يشكّل تقدما لصالح المرأة غير أنه لا ‏يعطيها أية حقوق، في ظل صعوبة اللجوء إلى المحاكم لفتيات عقدن ‏أصلا زواجا سريا.‏

وتقول هند: "لقد استحوذت هذه القضية على اهتمام كبير لأنها قضية ‏عامة ولأنني أنا أردت أن أجعلها كذلك. الفرق الوحيد بيني وبين الحالات ‏الأخرى المشابهة هي أني لم أرض أن أسكت وأبكي وحيدة وأجهض ‏طفلي، بل قرّرت أن أحارب وأن أجعلها قضية عامة. فإذا كان هناك من ‏خطأ قد ارتُكب فهو وقع بين اثنين وعلى الطرفين أن يتحملا المسؤولية".‏

والقانون المصري لا يسمح للمرأة بإعطاء هويتها لأولادها وهو ما قد ‏يدفع هند للجوء إلى محاكم خارج البلاد.‏

وبحسب هند ففقد لجأت إلى الزواج العرفي بعد أن رفض أهلها كثيرين ‏من العرسان الذين تقدّموا لها من قبل و"كنت شبه واثقة أنهم لن يقبلوا ‏بأحمد فاعتقدت أني ذكية وأنني في هذه الطريقة قد أضعهم أمام الأمر ‏الواقع".‏

وقد تعكس هذه الفكرة الأخيرة بُعدا جديدا للزواج العرفي وهو إقبال ‏الفتيات عليه بعد بلوغهن عمرا معيّنا في منتصف العشرينيات وشعورهن ‏أنهن لن يتمكن من إتمام زواج تقليدي نظرا لأوضاع الشباب الإقتصادية ‏غير المساعدة.‏

وتقول هند في هذا المجال: "عندما تبلغ الفتاة عمرا معيّنا تصبح لديها ‏حاجات ورغبات، وفي ظل تعنت الأهل وعجز الشباب، تلجأ إلى الزواج ‏العرفي لأنها لا تريد أن تفعل شيئا خطأ. أنا أشعر أن ما يحدث يُثبت أن ‏الناس يحاولون ألا يفعلوا شيئا محرما".‏

وتضيف: "يقولون إننا نضحك على أنفسنا ولكن ما عسانا نفعل"!‏




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com
 

خدمات تقدمها لكم bbcarabic.com


الصفحة الرئيسية | الشرق الأوسط | أخبار العالم | علوم وتكنولوجيا | اقتصاد وأعمال | أخبار الرياضة | الصحف البريطانية | شارك برأيك
بالفيديو والصور | تقارير خاصة | تعليم الإنجليزية | برامجنا الإذاعية | استقبال البث | شراكة وتعاون | نحن وموقعنا | اتصل بنا | مساعدة