مارتن آسر
بي بي سي نيوز
مسلحون نجحوا في التسلل عبر الطوق الأمني الذي فرض حولهم
|
شهدت المملكة العربية السعودية سلسلة من الهجمات القاتلة استهدفت مواطنيها والعمال الأجانب خلال الشهور الثمانية عشرة الماضية، أدت إلى زعزعة ثقة المجتمع الدولي في المملكة الغنية بالبترول.
ودق ناقوس الخطر في الثاني عشر من مايو/ أيار 2003، حيث وقعت سلسلة انفجارات انتحارية منسقة، نسبت إلى تنظيم القاعدة، واستهدف ثلاثة مجمعات سكنية يقطنها أجانب في الرياض، وأسفرت عن مقتل 35 شخصا، ضمنهم تسعة من المهاجمين.
وقد قورنت تلك الانفجارات بأحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول لفظاعتها، مما جعل السلطات السعودية تتخذ أولى خطواتها الجادة للانضمام إلى "الحرب ضد الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة.
وبعد مضي ستة أشهر، لقي سبعة عشر شخصا حتفهم في انفجار استهدف، هذه المرة، مجمعا تسكنه عائلات عربية، يتاخم قصرا ملكيا في الرياض.
وبالرغم من اعتقال السلطات السعودية لأكثر من ستمائة إسلامي مشتبه فيهم، وقتل أو أسر أغلبية الأشخاص المذكورة أسمائهم على قائمة المتابعين قانونيا، التي تشمل على 29 اسما، استمرت العمليات التي تنسب للقاعدة، كما باتت متطوّرة لحد ما.
ووصلت حصيلة القتلى في دوامة العنف في السعودية منذ مايو/ أيار 2003 إلى حوالي 170 شخصا، بمن فيهم الأجانب وعناصر الأمن والمسلحين.
ارتفاع عدد القتلى
وقد بدأت فترة الهجمات المكثفة في 21 أبريل / نيسان من السنة الجارية، عندما هاجم انتحاري مقراً للشرطة في الرياض، أودى بحياة أربعة أشخاص.
ويبدو أن ثلاثة من المسلحين من عمال الشركة المستهدفة استعملوا بطاقات هويتهم للوصول إلى ضحاياهم، وقد قاموا بجر جثة أحدهم عبر الشوارع بشكل مروع.
وفي أعقاب ذلك، قتل مواطن ألماني بالرصاص في الشارع بالرياض من قبل مسلحين مجهولين.
ثم حدث هجوم عنيف أسفر عن مقل 22 شخصا في الخبر، ولاذ فيه المهاجمون بالفرار عبر حاجز أمني من رجال الشرطة كانوا يحاصرونهم، بحيث قال خبراء في شؤون الأمن في خارج المملكة إن ذلك يشير إلى وجود تواطؤ بين المحاصرين والمحاصرون.
ولم يقع منذ ذلك الحين ما يعادل في فظاعته مذبحة الخبر، لكن استمرت الهجمات والاغتيالات المتفرقة في الحدوث، من بينها الهجوم الذي أسفر عن مقتل مصور بي بي سي وأصاب زميله بجروح خطرة.
الأنفاس الأخيرة
هناك رأيان مختلفان سائدان حول الوضع الأمني في السعودية.
إذ يؤكد مسؤولون سعوديون بأن الأحداث الأخيرة تمثل الأنفاس الأخيرة لحركة تعمل الحكومة، كل ما في وسعها، من أجل إخمادها، عبر تشديد الأمن، والأنشطة الاستخباراتية، ومواجهة الإيديولوجية التي تدعم هذه الهجمات.
ويقول المسؤولون إنهم كشفوا عن ست خلايا إرهابية خلال العام الماضي، تحتوي كل منها على ما بين 25 و30 عضوا.
وقالوا إن قوات الأمن قضت على خمس من الخلايا الست.
لكن مصداقية المسؤولين السعوديين قد أثارت حفيظة البعض بفعل استمرار الهجمات المتفرقة المنسوبة إلى مسلحين إسلاميين.
إذ قتل مواطن ايرلندي بالرصاص في مكتبه في أغسطس/ آب الماضي، فيما لقي بريطاني وفرنسي نفس المصير في حادثين منفصلين في سبتمبر / أيلول الماضي.
وقال سفير السعودية لدي بريطانيا، الذي عمل ضمن المخابرات السعودية سابقا، لبي بي سي، إنه من الصعب استئصال الحركة من جذورها.
وقال في مقابلة مع بي بي سي في مايو/ أيار الماضي: " هؤلاء الناس مستعدون لقتل أنفسهم لتحقيق أهدافهم، وبالتالي، من المستحيل أن تمنَعهم تماما من القيام بذلك"
الغضب والكراهية
أما الرأي الثاني، فيعتقد أن السعودية لا تستطيع قمع موجة الغضب والكراهية المنتشرة على نطاق واسع ضد الغرب بسبب غزو العراق الذي تقوده الولايات المتحدة، والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، اللذين ينميان دوافع القيام بهذه الهجمات.
ويقول الكاتب وعميل وكالة المخابرات الأمريكية (سي أي أي) سابقا، روبرت بير، إن قتل الموظفين الأجانب في الخبر- التي تعتبر قلب الإنتاج البترولي في السعودية - كان يهدف إلى إيصال رسالة مباشرة للدول المصدرة للنفط التي كانت تعقد اجتماعا لمنظمة الأوبك في ذلك الوقت.
وقال إن المسلحين كانوا يترجمون عدم الرضا الذي كان يشعر به الكثير من السعوديين إزاء نية حكومتهم في رفع إنتاج النفط بهدف خفض سعر البترول، لمساعدة الاقتصاد الأمريكي تحديداً.
ولا يلغي بير احتمال وقوع المزيد من الهجمات في المستقبل.
وقال بير: "إن مواقع الإنتاج النفطي في السعودية معرضة للخطر، فإن تم حشد الجهود، يمكن تدمير إحداها".
لكن الحقيقة الثابتة هي أن معدل شن الهجمات قد تراجع خلال الشهور الستة الماضية، كما أنها وجهت ضد أهداف سهلة وصغيرة.
وعندما تعرض هدف بارز، كالقنصلية الأمريكية لهجوم، فإن عدد الضحايا جاء محدوداً مقارنة بالهجمات الكبيرة السابقة، كما أن قوات الأمن السعودية بدت أكثر قدرة على التعامل مع منفذي الهجوم عن ذي قبل.
وقد يكون من المبكر الآن الجزم بأن السلطات السعودية أصبحت تطارد الفلول الأخيرة للمسلحين.
وحتى إن تم الحد من الهجمات، فإن الوضع الأمني قد أبعد الاستثمار وجعل جلب الخبرة الخارجية إلى المملكة صعبا وباهظ الثمن - وبالتالي، تكون البلاد قد تضررت اقتصاديا، حتى وإن لم تهاجم أي قاعدة نفطية.