|
بقلم بول رينولز
مراسل بي بي سي أونلاين للشؤون الدولية
|
ستمثل محاكمة صدام ما هو أكثر من مجرد تصفية حسابات قديمة - فسوف تمنح الحكومة العراقية الجديدة ومن يتولون السلطة بعدها فرصة إسدال الستار على الماضي وتأكيد السلطة الجديدة.
لن يكون من شأن التعجل في محاكمة صدام إلا تقويض السلطة الجديدة
|
وسوف يتوقف الكثير على المسلك الذي ستسلكه الحكومة الجديدة فيما يتعلق بمحاكمة الدكتاتور السابق، إذ سترغب تلك الحكومة في إظهار التزامها بالعدالة وحكم القانون لتعكس بدء حقبة جديدة.
لقد تم إنشاء محكمة خاصة للنظر في القضايا المرفوعة ضد صدام وأقطاب النظام السابق وسوف يتم تخصيص الوقت الكافي لجمع الأدلة وحيثيات القضية، إذ أن التعجيل بإنزال العقاب على صدام من قبل ضحاياه السابقين لن يكون من شأنه إلا تقويض مصداقية الحكم الجديد.
امتحان للمهارة
وتمثل تلك المحاكمة أيضا امتحانا رئيسيا لسلطة وسمعة رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي.
فقد أظهر علاوي بعض المهارة في الهيمنة على جدول الأعمال منذ أول يومين من توليه الإدارة، إذ تسلم السلطة مبكرا وأصر على انتقال صدام للسيادة القانونية للعراقيين، وإن كان صدام نفسه مازال محتجزا لدى الأمريكيين.
هل العراقيون هم الذين يحكمون الآن؟
|
ويهدف علاوي بذلك إلى تأكيد سلطته، ولهذا يتعين عليه أن يفعل ما أمكنه في الأيام الأولى لإبراز تلك الصورة إذ لا شك أن منفذي الهجمات لديهم هم أيضا خطط لإبراز وجودهم على الساحة.
كما لا شك أن علاوي سيجد متنفسا بعض الشيء، ففي عام 1978 حينما كان يعيش في المنفى في إنجلترا وصف علاوي كيف أن رجلين اقتحما بيته ببلطة وكانا سيقتلانه وزوجته لولا أن حماه عاد فجأة.
وقد اتهم علاوي صدام حسين بإصدار الأمر باغتياله، ورفع في نوفمبر/تشرين الثاني قضيته أمام محكمة في بغداد، واستصدر حكما بإدانة صدام حسين وأخيه غير الشقيق برزان التكريتي، الذي اعتقل العام الماضي. وقد أصدر قاض أمر اعتقال بحقيهما.
ولكن قضية صدام ستتعدى مجرد حالة تهجم فردية إلى جرائم القتل الجماعي والإبادة الجماعية للتعبير عن مدى قمع النظام السابق.
المحاكمة والعقاب
يذكر أن مصير الطغاة الذين تحاكمهم شعوبهم تنوع بين الإعدام والسجن أو ببساطة إسدال الستار على عهدهم.
فمن بين أشهر الطغاة الذين أعدموا الزعيم الروماني نيكولاي تشاوشيسكو الذي تمكن من الهرب بمروحية بعد أن انقلب عليه حشد من مؤيديه المفترضين قبل عيد الميلاد عام 1989.
غير أنه سرعان ما أمسك هو وزوجته، حيث حوكم محاكمة سريعة وأعدم رميا بالرصاص وتم تصوير إعدامه الذي جرى يوم عيد الميلاد. وحتى آخر لحظة تحدى تشاوشيسكو متهميه ورفض الاعتراف بحقهم في محاكمته، ولكنهم أكدوا بإعدامه نهاية حكمه إلى الأبد.
أمضى إيجون كرينتس أربع سنوات في السجن لسياسة قتل الفارين عبر الحدود
|
ومن الأمثلة الأخرى بينيتو موسوليني الذي علق هو وعشيقته من أقدامهما حيث لقيا حتفهما على أيدي الإيطاليين الذين قبضوا عليهما.
غير أن مصير بعض الدكتاتوريين الآخرين كان أخف وطأة، فقد حوكم الزعيم الشيوعي البولندي الجنرال ياروزلسكي، الذي اشتهر بنظارته السوداء التي أضفت عليه مظهرا شريرا، بتهمة إصدار الأوامر للشرطة لإطلاق النار على المتظاهرين في جدانسك عام 1970، غير أن تردي حالته الصحية أدى إلى تأخر إجراءات المحاكمة.
وفي دفاعه عن نفسه قال ياروزلسكي "لا بد من خدمة بولندا كما ينبغي، مهما كانت التضحيات".
وفي عام 2001 حوكم إيجون كرينتس وآخران من الزعماء الشيوعيين السابقين لألمانيا الشرقية على مسؤوليتهم عن سياسة إطلاق النار بهدف قتل الألمان الشرقيين الذين يحاولون الفرار عبر الحدود إلى الغرب.
ودفع كرينتس والآخرون ببراءتهم غير أنهم أدينوا وحكم عليهم بالسجن، وقد أمضى كرينتس قرابة أربعة أعوام من حكم بالسجن ستة أعوام ونصف وأخلي سبيله في ديسمبر/كانون الأول العام الماضي.
لقد كانت المحاكمات في بولندا وألمانيا جزءا من طي صفحة الحكم الشيوعي في شرق ووسط أوروبا، وكانت أهمية الطريقة التي تم التعامل بها مع تلك المحاكمات في أنها أرست نبرة الحكم وشكله في المستقبل.
وأما الدكتاتور الدموي جان-بيدل بوكاسا، "إمبراطور" أفريقيا الوسطى المعجب بنفسه فقد فر إلى فرنسا حيث كشف عن هدايا الماس التي أهداها للرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، ثم عاد إلى بلاده حيث حكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم إلى السجن المؤبد، وبعد ذلك خفف مرة أخرى إلى السجن عشر سنوات.
وقد أمضى من حكمه سبع سنوات ثم أطلق سراحه، حيث زعم أنه عين سرا مبعوثا للبابا. وحينما توفي عام 1996 امتدحته وسائل الإعلام الحكومية لما وصفته بمشواره "اللامع".
الهرب والمنفى
وبعض الطغاة لا يواجهون العدالة مطلقا، فقد فر عيدي أمين، الذي كان يوما يبحث عن الأضواء، من أوغندا وأمضى عامه الأخير في السعودية متواريا عن الأنظار.
 |
في جنوب أفريقيا اعتُقِد أن مصلحة العلاقات بين أبناء الأمة تقتضي الاكتفاء باعتراف المذنبين بجرائم الماضي بدلا من الانتقام. ولكن لا يرجح أن يسلك العراق هذا المسلك مع صدام حسين
|
و"بيبي دوك" دوفالييه نظم حفلة قبل رحيله عن هاييتي إلى فرنسا ليعيش في منفى مريح، أما الكولونيل منجستو فقد فر من إثيوبيا ولجأ إلى زيمبابوي.
وهناك من يلقون العدالة على أيدي المنتصرين، فقد حوكمت القيادة النازية بخلاف هتلر وشخصيات قلائل انتحرت، في محاكمات نورمبرج التي أقامها الحلفاء.
واعتقل الأمريكيون زعيم باناما مانويل نورييجا وحكم عليه بناء على اتهامات بالاتجار بالمخدرات في ميامي حيث لا يزال يقبع في السجن.
وثمة وسائل أخرى للتعامل مع الطغاة، وربما يشهد المستقبل شيوع المحاكمات الدولية بشكل أكبر في ظل المحكمة الجنائية الدولية. وحاليا يحاكم الزعيم اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش أمام محكمة دولية خارج بلاده.
وأخيرا هناك سبيل المكاشفة والمصالحة الذي انتهجته جنوب أفريقيا حيث اعتقدت أن مصلحة العلاقات بين أبناء الأمة تقتضي الاكتفاء باعتراف المذنبين بجرائم الماضي بدلا من الانتقام منهم.
غير أنه لا يرجح أن يسلك العراق هذا المسلك مع صدام حسين.