اختُتِمَت مؤخرا في جامعة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة فعاليات مؤتمر حول مكافحة جرائم تقنية المعلومات التي باتت سمة تطبع الحياة في الألفية الجديدة.
وقد ناقش المؤتمر، الذي استمرت أعماله على مدى يومين، ماهية الجرائم المعلوماتية، ووسائل ارتكابها، وما يترتب عليها من آثار سلبية وتلحقه من خسائر، بعضها مادي، كما في حالة سرقة الأموال الإلكترونية، وبعضها الآخر معنوي، كما في حالةاستخدام الانترنت لنشر الأفكار المتطرفة.
كما ركزت بعض الأوراق والمحاضرات على الوسائل الأمنية والفنية والقانونية الكفيلة بمكافحة الجريمة المعلوماتية وحماية تقنية المعلومات.
جرائم مُستحدَثة
الحداثة وتقنية المعلومات صنوان في عصرنا الرقمي. وكما هو شأن أي فتح جديد من الفتوحات في مجالات العلم والتكنولوجيا، فإن التقنيات الحديثة إلى جانب ما تنطوي عليه من فوائد وتبشر به من وعود مستقبلية، فإنها تختزن أيضا إمكانيات لاستغلالها في مآرب أخرى.
فلا غرابة أن تعتبر الجرائم المعلوماتية، سواء التي تتعرض لها أجهزة الكمبيوتر أو التي تُسخَّر تلك الأجهزة في ارتكابها، من الجرائم المُستحدَثة.
وهذا ما يشير إليه الدكتور عبد الوهاب أحمد مصطفى، خبير تكنولوجيا المعلومات في الهيئة العامة للمعلومات في الإمارات، بقوله: "جريمة تكنولوجيا المعلومات هي من الجرائم المُستَحدَثَة التي لا تترك شهودا يمكن استجوابهم ولا أدلة مادية يمكن فحصها. من هنا تتأتى صعوبة (الكشف عن) هذه الجريمة".
ويردف مصطفى قائلا إن "القراصنة يستخدمون التكنولوجيا لارتكاب جرائمهم، ونحن كرجال أمن أو تكنولوجيا نستخدم نفس التكنولوجيا من أجل القبض عليهم".
ويصف هذا الوضع بأنه "صراع الطرف القوي فيه هو مَنْ يستخدم التكنولوجيا بشكل أفضل".
قراصنة الإنترنت
ويُقسّم مصطفى قراصنة الإنترنت إلى نوعين، حيث يقول: "هناك قراصنة هواة، وهناك قراصنة محترفون"، مضيفا أن القراصنة أو "الهاكرز يشكلون عصابة منظمة".
ويوضح قائلا إن القراصنة "عندهم رابطة، وعندهم مجلات، وعندهم كؤوس، حيث يقيمون فيما بينهم مباريات حول مَنْ هو الأفضل في اختراق الموقع الفلاني أو الموقع الفلاني، وعندهم رغبة داخلية في إثبات الذات".
إلا أنه يستدرك قائلا إن "القراصنة ليسوا بالضرورة أشكالا سيئة من الناس".
ويمضي إلى القول: "بالعكس، هم أفضل الناس في اختراق الشبكات. وهم الذين يجري توظيفهم في قطاعات الشرطة المختلفة".
خسائر فادحة
ويلفت الدكتور أياد الطائي، رئيس الائتلاف الدولي للحلول المستدامة في نيو جيرزي في الولايات المتحدة، إلى أن جرائم تقنية المعلومات تتراوح ما بين سرقة الأموال المعلوماتية، والدخول إلى المواقع والعمل على تدميرها، واختراق المواقع الرسمية والشخصية، ولكن أبرز أنواع هذه الجرائم هي تلك التي تنطوي على سرقة الأموال.
ويقول الطائي إن "الدول تتكبد خسائر فادحة جدا. نحن نتكلم ببلايين الدولارات".
ولتوضيح مدى حجم تلك الخسائر يضرب الطائي مثال أوكرانيا حيث يستشهد بإحصاءات تشير إلى أنه "في سنة 2002، كان هناك 3100 جريمة سرقة عن طريق الإنترنت من البنوك في أوكرانيا".
 |
بلدا صغيرا مثل أوكرانيا تحصل فيه 10 سرقات يوميا تقريبا عن طريق الإنترنت
|
ويعلق بدهشة: "تصور أن بلدا صغيرا مثل أوكرانيا تحصل فيه 10 سرقات يوميا تقريبا عن طريق الإنترنت".
جرائم مُعَوْلَمَة
وقدرة تقنية المعلومات على تقريب المسافات وتعزيز وشائج الصلة بين مختلف أصقاع الأرض، إنعكست أيضا على طبيعة الأعمال الإجرامية التي يعمد فيها المجرمون إلى استخدام هذه التقنيات في انتهاكاتهم للقانون.
ويقول الدكتور محمد شلاّل العاني، عميد كلية القانون في جامعة الشارقة: "مساحة مسرح الجريمة التقنية أو المعلوماتية لم تعد محلية، أي أنها أصبحت عالمية".
ويوضح قائلا: "كما هو معلوم للجميع أن الجريمة قد تقع، مثلا، في طوكيو، ويكون التنفيذ، مثلا، في واشنطن، وقد يكون هنالك أثر للجريمة، مثلا، في مكان آخر من آسيا".
ويضيف: "وهكذا أصبحت هناك ثلاث مساحات بعيدة للجريمة".
ويسارع إلى القول: "وهذه المساحات قلبت مفهوم مسرح الجريمة، ووسائل الإثبات، وهذا كله بحاجة إلى وسائل تقنية، وقدرة للأشخاص القائمين بكشف هذه الجريمة المعقدة، والعلمية والدقيقة".
ويرى العاني أن هذا الأمر يثير أيضا إشكالية ثانية ذات صلة "بالتعارض مع سيادة الدولة".
مشاريع حلول
والتعارض مع سيادة الدول قد يعقد من إمكانية القيام بعمل دولي مشترك للحد من جرائم تقنية المعلومات، بحيث يدفع بتلك الجهود إلى أن تتركّز في الأطر القانونية لكل دولة على حدة.
ولكن هذه الأطر القانونية الوطنية لا تعدم إشكاليات ومعالم قصور تشوب سعيها وراء السبل الكفيلة بالحد من انتشار الجرائم المعلوماتية.
ويقول العاني: "إن حركة الحياة متغيرة ولكن القوانين لا تستطيع اللحاق بها، فالقوانين لا تتطور بنفس السرعة التي تتطور بها هذه الجرائم".
ويستطرد قائلا إن "دولة الإمارات العربية المتحدة عمدت إلى إصدار قانون خاص، وصدر هذا القانون في شهر كانون الثاني/يناير 2006، واسمه قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات".
ويصف هذا القانون بأنه "قانون رائد في ميدان الخليج، وحتى على المستوى العربي، من حيث الأحكام والمواد التي احتوى عليها".
ولكنه يستدرك قائلا: "ولكننا نقول أيضا، رغم ذلك نحن بحاجة إلى توعية وبحاجة إلى آليات لتنفيذ هذا القانون".
ولعل الطبيعة المعقدة وذات الأبعاد والأوجه المتعددة لجرائم تقنية المعلومات هي التي تحدو بالدكتور أياد الطائي إلى التأكيد على ضرورة أن "تكون الإجراءات الرامية إلى مكافحة جرائم تقنية المعلومات متكاملة"، محذرا من "أن نأخذ جانبا واحدا، ونركز عليه".
ويوضح قائلا: "المطلوب هو التوعية، والتعليم، والتشريع، وتنفيذ التشريعات، ويعزز ذلك كله البحث العلمي".
ويخلص إلى القول: "هذه كلها أمور متداخلة، وكل منها يكمل الآخر".
شكوك
ويبدو أن القدرة المتوفرة على الحماية ما تزال قاصرة عن تحقيق انتصار كاسح على مجرمي تقنية المعلومات، حيث يزداد تعرض الدول إلى جرائم تقنية المعلومات كلما تعزز استخدامها للتكنولوجيا، وهو ما يوضحه راشد ماجد العبّار، مدير الخدمات الأمنية في مؤسسة الإمارات للاتصالات.
ويشدد العبّار على أنه: "لا توجد هناك حماية مائة في المائة".
ويردف قائلا: "هي طبعا كلها إجراءات، خطوات، تتخذها سواء المؤسسات أو الأفراد لحماية أنفسهم من الجرائم الإلكترونية".
وهو يرى بارقة أمل في كون "الوعي بجرائم تقنية المعلومات يشهد متزايد في منطقة الشرق الأوسط".
ويقول: "هناك إحصائية في هذا الموضوع تُظهِر أن الولايات المتحدة تعتبر الرقم 1 عالميا في الإنفاق على الحماية الإلكترونية، ويليها منطقة الشرق الأوسط".
ويتابع: "وفي الشرق الأوسط، الإمارات هي من أكثر الدول التي تنفق سواء كمؤسسات عامة أو شركات خاصة لحماية أنفسها من الجرائم الإلكترونية أو من الهجمات الإلكترونية".
سباق محموم
ويعرب العبّار عن اعتقاده بأن هناك "سباقا بين المجرمين وبين حماة الأمن" في مجال الجرائم المعلوماتية.
ويمضي إلى القول: "بالنسبة للإنترنت، الوعي من أهم الأمور وهناك تعاون كبير بين المؤسسات الخاصة والجهات الحكومية والمؤسسات غير النفعية".
ثمة سباق إذن بين مجرمي تقنية المعلومات وقدرة الأطر القانونية والوسائل الأمنية والفنية على مكافحة جرائمهم.
ومؤتمر مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي انعقد في الشارقة شكل خطوة على طريق طويل هو طريق التعامل مع المعطيات الإجرامية الرقمية واستكشاف سبل الوقاية منها، ومسيرة الألف ميل دائما ما تبدأ بخطوة.