تعالت مؤخرا أصوات أصحاب المحلات التجارية في شارع الرَقَّة في دبي بالشكوى من ما يقولون إنها أضرار لحقت بأعمالهم جراء أعمال الحفر والإنشاءات التي بدأت قبل بضعة أشهر لتشييد خط قطار "مترو دبي".
ويعتبر شارع الرَقَّة مقصدا للسياح وهو عادة ما يعج بالمحلات التجارية وبالمطاعم وروادها حتى ساعة متأخرة من الليل.
منصور يتحدث بحنين عن شارع الرقة في أيام العز الخوالي
|
ولكن، ومنذ بدء أعمال الإنشاءات الخاصة بالمترو، فقد تقلصت الحركة في الشارع نتيجة لسد بعض المنافذ المؤدية إليه، وإلغاء المواقف المخصصة للسيارات.
اختفاء الزبائن
لا صوت يعلو على ضجيج الجرافات وآلات الحفر والكسارات معظم ساعات النهار في شارع الرقة، والذي تحول إلى ورشة عمل لا تكل ولا تهدأ بهدف تنفيذ مشروع مترو دبي وفقا للخطة المرسومة.
ولكن أعمال الإنشاءات قد أدت إلى سد مداخل المحلات والمطاعم الكثيرة المنتشرة على جانبي الشارع وبالتالي انقطاع بعض أبواب الرزق عن أصحابها.
منصور، وهو مدير أحد المطاعم في شارع الرقة، يتحدث بحنين عن شارع الرقة في أيام العز الخوالي، قائلا: "شارع الرقة معروف في دبي. فالكثير من الناس يقصدونه من خارج المدينة فقط بسبب صيته الذائع".
ويوجز بعض الأضرار التي لحقت بعمله جراء أعمال الحفر قائلا: "حاليا، بعدما بدأت أعمال بناء المترو في هذه المنطقة بالذات، أزالوا المواقف وأزالوا كل شيء، فلم يعد هناك عمل".
ويوضح قائلا: "ونتيجة لهذا الوضع ليس هناك ناس تمشي في الشارع، كان الناس يجلسون في الخارج، والآن لا أحد يجلس في الخارج".
ويتساءل: "مَنْ سيجلس في الخارج وسط هذا الصوت والضوضاء؟"
ويشير منصور إلى أن عدد المارة في الشارع قد تقلص كثيرا جراء أعمال الحفر مما أثر على حركة السياحة فيه.
ويقول: "كان السياح الخليجيون أو الأجانب يأتون إلى شارع الرقة لكي يتمشوا فيه، ولكنهم لم يعودوا يأتون الآن".
ويستطرد قائلا: "أما بالنسبة للمواقف، فزبون المحل الدائم عندي، الذي يأتي من الشارقة، أو يأتي من عجمان، أو يأتي من أبوظبي، لم يعد يأتي إلى هذا المكان، بسبب عدم توفر المواقف".
ويردف قائلا: "الزبون عندما يأتي ولا يجد موقفا، خلاص يمشي، ويبحث له عن مكان ثان".
ضغوط العمران
ويرى الصحافي الاقتصادي إبراهيم خياط أن الأضرار التي تلحق بأصحاب الأعمال التجارية في شارع الرقة جراء أعمال الإنشاءات تمثل جزءا من الضريبة التي تفرضها الطفرة العمرانية التي تشهدها دبي على بعض الشرائح الاقتصادية والإجتماعية.
ويقول: "إن عمليات الشكوى التي تحصل هي أمر متوقع لأن هناك عملية تطوير. فدبي حاليا تعد قرابة مليون وخمسين ألف شخص. عام 2010 سيبلغ عدد السكان المُرتَقَب مليوني شخص".
ويمضي إلى القول: "وبالتالي هناك ضغط كبير، يعني ضغط على البيئة، ضغط على النسيج العمراني، ضغط على شبكة الخدمات المتوافرة في دبي".
ويعتبر خياط أن هذه العوامل كلها تشكل "عناصر متضافرة تؤدي حتما إلى نوع من الإشكالات بين الفئات والشرائح الاقتصادية والاجتماعية المختلفة التي قد لا تتلاءم مصالحها مع سرعة النمو الاقتصادي ومتطلباته".
ديناميكية رأس المال
والطفرة العمرانية التي تشهدها دبي تلقت دفعة قوية إلى الأمام مع تدفق جزء يسير من الفوائض المالية التي درتها الطفرة النفطية على دول الخليج إلى استثمارات في قطاع العقارات فيها.
ولذا فإن التوسع العمراني في دبي يتشكف على إيقاع آليات رأس المال وحافز الربح، وما قد تنطوي عليه من نقائص، ونقائض وتآكل لما هو قديم ومألوف.
يشكو خليفة من أن مرور خط المترو بالشارع رفع أسعار العقارات
|
ويقول خياط: "في الواقع، إن ديناميكية رأس المال هي ديناميكية متوحشة وقوية، تستطيع أن تغير المشهد الطبيعي وطبيعة النسيج العمراني في أي منطقة".
ويلاحظ أن هذا التغير "يؤدي، بالتالي، إلى تأثيرات على إيقاع النشاط الاقتصادي العادي".
ويخلص إلى القول: "ومن هنا فإن هناك عملية إصطدام بين مصالح الفئات التي كانت تترقب انخراطها في الدورة الاقتصادية بدون عوائق والنشاط العمراني الكثيف الذي يتدخل بقوة، أحيانا فجة، ليعرقل عملها لأن هناك متطلبات في عمليات الحفر والبناء والإنشاء".
"تعويضات"؟
وآليات حوافز الربح ورأس المال حاضرة في أذهان أصحاب المحلات المتضررة أيضا، حيث يطالب بعضهم بالتعويض عما لحق بهم من خسائر، كما هو حال علي خليفة الذي يعمل مشرفا على عمل فرع لأحد المطاعم في شارع الرقة.
ويرى خليفة أنه "من المفروض أن يكون هناك تعويض".
ويوضح قائلا: "وأنا برأيي أن مشروعا كهذا، فخما، وضخما وللدولة، يفترض به أن يشتمل على تعويض لأصحاب المحلات".
وفي معرض تبريره لمطالبته بالتعويضات يلفت خليفة إلى "أن المحلات والمطاعم هنا معروفة، وعلى وجه الخصوص فإن شارع الرقة معروف عنه كيف أنه يكون مزدهرا جراء الناس والسياح الذين يؤمونه. فتأثرنا كثيرا جراء أعمال الحفر".
ويشكو خليفة أيضا من أن مرور خط المترو في شارع الرقة أدى إلى زيادة أسعار العقارات وبالتالي الإيجارات فيه.
ويتساءل: "كم يتعين علينا أن نبيع، وكم يتعين علينا أن ندفع إيجارات؟ ونحن لدينا موظفون ندفع لهم أجورا، وغير ذلك من النفقات".
وموضوع التعويضات لم يُحسَم لحد الآن رغم تأكيد بعض أصحاب المحلات المتضررة على أنهم قد تلقوا وعودا بذلك.
ولكن أشغال المطالبين بالتعويضات قد تظل عرضة للتأثر سلبا بأعمال الإنشاءات إلى حين الانتهاء منها في عام 2009.
والتوقعات تقول إن أرباح المحلات التجارية في شارع الرقة سترتفع مع بدء تسيير المترو بمعدل 40 في المائة. ولكن من الآن وحتى عام 2009 ستظل أعمال الإنشاءات وضوضاؤها هي الطاغية.