Skip to main contentAccess keys helpA-Z index
BBCArabic.com
آخر تحديث: الخميس 25 مايو 2006 11:59 GMT
الحرب المجردة وهاجس الأمن المفقود في مهرجان كان


أميرالعمري
بي بي سي - كان

موضوع الحرب يفرض نفسه مثلا على الفيلم الفرنسي "فلاندرز"

من الظواهر اللافتة للنظر في عدد كبير نسبيا من الأفلام التي تعرض ضمن البرامج المختلفة في مهرجان كان السينمائي، بروز مواضيع تتعلق بالحرب والسياسة والإرهاب.

موضوع الحرب يفرض نفسه مثلا على الفيلم الفرنسي "فلاندرز" Flanders للمخرج برونو ديمو.

ولعل هذا واحدا من أكثر الأفلام غرابة في موضوعه وبنائه السينمائي.

مخرج الفيلم، الذي سبق أن حقق نجاحا كبيرا في "كان" بفيلمه "الإنسانية"، يعود بموضوع مجرد تماما عن جماعة من الشباب الفرنسيين، من أبناء الريف، يذهبون إلى الحرب التي تخوضها القوات الفرنسية في بلد بعيد غير محدد بالإسم إلا أنه بالضرورة بلد عربي، لأن سكانه يتحدثون العربية.

يذهب الشاب العاشق الريفي "أندريه" المتيم بحب فتاة قريته "باربي" (التي تقيم علاقة أخرى مع زميله بلونديل) مع رفقاء السلاح للقتال في ذلك البلد العربي البعيد.

يروي فلاندرز قصة جماعة من الشباب الفرنسيين، من أبناء الريف، يذهبون إلى الحرب

وهناك يتحول مع رفاقه، إلى مجموعة من المتوحشين البدائيين الذين يطلقون العنان لأدنى غرائزهم، تنطلق وتعيث في الأرض فسادا.

قتل وتنكيل وتعذيب ينزلونه بأهالي القرى التي يقتحمونها، حرق منازل واطلاق عشوائي للنار، ولا استثناء من الجحيم حتى للأطفال.

مشهد اغتصاب بشع تقشعر له الأبدان: فتاة من إحدى القرى تتعرض للاغتصاب. يتناوب على اغتصابها ثلاثة من الجنود في مشهد وحشي.

وسرعان ما ينقلب السحر على الساحر. جماعات المقاومة المسلحة تنقض على الغزاة، وتحاصرهم وتقبض على الشباب الأربعة.

فلاندرز واحد من أكثر الأفلام غرابة في موضوعه وبنائه السينمائي

يتم التنكيل بأحدهم عن طريق قطع عضوه الذكرى، وتظهر الفتاة التي كانت ضحية الاغتصاب فجأة. لقد حفرت الحادثة في ذاكرتها إلى الأبد.

يرجع أندريه في النهاية إلى بلدته بعد أن يتمكن من الهرب، ويعود إلى حبيبته باربي لكي يجدها حاملا من صديقه بلونديل، وتقرر إجراء عملية إجهاض للتخلص من الجنين، وسرعان من يبعث بها أهلها إلى مصحة للأمراض العقلية بعد أن تصبح عرضة لنوبات عصبية حادة.

أما أندريه الذي تمكن من النجاة بأعجوبة فلم يعد نفس الرجل، بل أصبح محطما عاجزا عن الحب والعطاء.

ولا شك أن فيلما كهذا، مع كل ما يحرص عليه مخرجه من تجريد، يعتبر عملا مناهضا للحرب على إطلاقها، فهو يرى أنها تشوه كل الأطراف التي تشترك فيها، وتدمر الجانب الإنساني في الإنسان.

غير أن الفيلم لم يأت على المستوى الذي كان منتظرا، فقد جاء خاويا يعاني من عدم توازن السيناريو الذي يكتفي بادخالنا إلى كابوس الحرب لكنه لا يعرف كيف يخرجنا منه.

ولا تبدو المقابلة التي يختلقها بين الأراضي الخضراء التي تنعم بالهدوء والاسترخاء والجمال مع الأراضي الصحراوية القاحلة في البلد العربي، مفهومة في السياق العام للفيلم.

فيلم "بابل"

أما فيلم "بابل" Babel للمخرج المكسيكي اليخاندرو جونزاليس، فهو يروي على مدار نحو ساعتين ونصف الساعة، ثلاث قصص أولها تدور في المغرب، وتحديدا في منطقة جبلية وعرة يقطنها بدو يرعون الأغنام وبعانون شظف العيش.

يبدأا الفيلم بشراء أحد الرعاة بندقية من راع آخر مسن، إلا أنه سرعان ما يعطيها لولديه اللذين لا يتجاوز أكبرهما 11 عاما.

المخرج جونزاليس تمكن بحرفية عالية من صنع فيلم مثير للخيال والتأمل

وكما هو متوقع يستخدم الولدان البندقية ويحاولان اختبار مداها للتأكد من صحة ما ذكره عنها الرجل الذي باعها.

ويطلق الولد الأصغر الرصاص على حافلة سياحية عن بعد فتصيب رصاصته سائحة أمريكية (كيت بلانشيه) بصحبة زوجها (براد بيت).

وعلى الفور يحدث هرج ومرج وتسيطر حالة من الهلع على ركاب الحافلة، ويتجه بها السائق إلى أقرب قرية بحثا عن طبيب.

يأتي طبيب - يقولون إنه بيطري- يرتدي أسمالا بالية يطلق لحيته، لا يستطيع إلا أن يقوم بخياطة الجرح دون استخدام المخدر، في مشهد يثير القشعريرة.

اول قصص "بابل" تدور في المغرب

نساء القرية يتجمعن للفرجة على تلك الأمريكية التي توشك على الموت.

الزوج يشعر بالهلع، ينجح بصعوبة في العثور على هانف يخاطب منه صديقا لكي يتصل بالسفارة الأمريكية يطلب مساعدة طبية عاجلة.

ركاب الحافلة السياحية من الأمريكيين وغيرهم، يشعرون بالفزع من فكرة التعرض للقتل على أيدي الإرهابيين في القرية.

ينتشر الخبر، تسارع الشرطة إلى المنطقة بحثا عن الشخص الذي أطلق الرصاص. يلقون القبض على كل من يقابلهم، ينزلون في الجميع ضربا وتنكيلا.

الشرطة تذيع أن ارهابيا قتل الأمريكية، وينتشر الخبر في العالم عبر التليفزيون ووكالات الأنباء.

الرجل يعرف بالخبر ويتساءل عما حدث. الابنان يعترفان بما ارتكباه. الرجل ينهال عليهما ضربا ثم يصطحبهما بعيدا للهرب.

رجال الشرطة يتوصلون إلى الرجل الذي باع البندقية. ينهالون عليه ضربا. يقول لهم إنه حصل على البندقية كهدية من سائح ياباني عمل مرافقا له في رحلة صيد.

أثناء البحث في الجبل يرون الرجل وابنيه. يطلقون الرصاص فيقتلون الإبن الأكبر.

في اليابان، ضابط شرطة يبحث عن مدير مصرف، لاستجوابه بشأن البندقية للتحقق من أنه أهداها للمغربي، وذلك بناء على طلب الشرطة المغربية.

في كاليفورنيا، مربية مكسيكية بصحبتها طفل وطفلة أمريكيين ترعاهما في غياب والديهما في رحلة: هل هما نفس الرجل والمرأة في المغرب؟

هذا ما يعتقده المرء في البداية لكننا نرى الأب في نهاية الفيلم يتكلم هاتفيا مع ولديه بشكل طبيعي في منزله في كاليفورنيا.

مربية مكسيكية ترعى الطفلين يقرر شقيقها اصطحابها لحضور خفل زواج قريب لهما عبر الحدود المكسيكية.

الشرطة تشك في شقيق المرأة (شيكو). يوقفونه، يفنتشون السيارة، يحاولون اعتقاله دون ذنب أو جريرة، يقرر فجأة الهرب بالسيارة عبر الحدود اي اقتحامها اقتحاما داخل الأراضي الأمريكية.

ينزل الرجل شقيقته والطفلين ويتركهما في الأحراش، ويواصل الهرب نحو المجهول.

في اليابان، ابنة المصرفي تعاني من الاحسساس الشديد بالوحدة، وهي البكماء، التي تحاول بكل الطرق البحث عن الحب، تكاد تستجديه استجداء.

إنه الهوس بالأمن الذي يجعل مصادفات أو اعمالا غير مقصودة تتحول إلى كوابيس، تقيم الدنيا ولا تقعدها، وأنباء تسري عن الإرهابيين الذين يهددون العالم.

مشاهد مفزعة: رجل في ساحة عامة في المكسيك يقطع رأس دجاجة بيده في وحشية سادية مقززة.

الفتاة اليابانية تعثر على التعاطف من جانب رجل الشرطة الذس يمارس معها الحب.

الأمريكية تنزف في كوخ قذر في قرية بجبال المغرب، تصل مروحية خاصة اليها أخيرا لنقلها إلى المستشفى.

الزوج- الأب يتصل بولديه في كاليفورنيا يطمئن عليهما ويطمئنهما على أمهما.

لا شك أن المخرج جونزاليس تمكن بحرفية عالية من صنع فيلم مثير للخيال والتأمل، في قضايا أساسية مطروحة في عالمنا اليوم.

غير أنه ايضا وقع سواء عن قصد أو بشكل آلي، في اسر النظرة الاستشراقية التي تتوقف طويلا بانبهار أمام صورة "الشرق" Orient "الغامض، المثير، الشاسع الذي يمكن لرصاصة أطلقها طفل عابث جاهل أن تدمر أسرة أمريكية.

التصوير بشكل عام مهموم بجمال الأفق وغرابة ابشر والتكوينات الإكزوتية المثيرة لخايال المتفرج الغربي عن الشرق.

المشاهد التي صورت في المغرب تذكرنا بعشرات الأفلام التي تصور في البلدان العربية والشرقية عموما ولا تريد أن ترى منها إلا كل ما هو بدائي ومتخلف إضافة إلى مظاهر القمع والقهر.

هنا نرى القائمة التالية:

نساء القرية المتشحات بالسواد يخرجن جميعهن من منازلهن الجبلية، يتطلعن إلى تلك الأمريكية المصابة، في مشهد مقصود منه "تغريب الآخر"، فالآخر هنا مصاب بثقافة التلصص وحب الاستطلاع، لكنه لا يفعل شيئا حقيقيا للمساعدة ففضوله أهم من فعله.

الولدان اللذان يعبثان بالبندقية، يتهم أحدهما الثاني بأنه يتلصص على فتاة وأنها تكشف له عن ساقيها، دلالة على الكبت الجنسي الدفين (وإلا فما هو تفسير المعجبين بالفيلم لإقحام هذا المشهد وهذد الحديث الخارج تماما عن السياق؟).

الشرطة فظة غليظة، تمارس القتل على المكشوف دون اعتقال، والتعذيب البشع كوسيلة لانتزاع الاعترافات، ولا رحمة للأطفال ولا للشيوخ.

المرأة العجوز بعينيها الغريبتين التي تذهب لمساعدة الأمريكية المصابة، لا تجد إلا أن تناولها غليونا محشوا بالأفيون، لربما يخفف من حدة الألم، ثم تقرأ آيات من القرآن (إدمان الدين والمخدرات)!

وأيا ما كان الأمر، ففيلم "بابل" الذي ينتقل بين ثلاث قارات، ويصور انواعا مختلفة من البشر (يابانيين وعربا ومكسيكيين وأمريكيين)، يبدو حظه كبيرا من الجوائز في كان.

أما عنوان الفيلم "بابل" الذي يرمز إلى برج بابل الذي أقامه البشر - كسلم - للوصول إلى الله، فلا يبدو مفهوما في هذا السياق.

تماما كما تبدو القصة التي تدور في اليابان معزولة عن القصة المحورية وهي التي تدور في المغرب، بل ولا تبدو مقنعة أو حتى مثيرة لأي درجة من جرجات التأمل.




-----------------
مواقعنا بلغات أخرى
Middle East News
BBC Afrique
BBCMundo.com
BBCPersian.com
BBCSomali.com
 

خدمات تقدمها لكم bbcarabic.com